إن الطبيعة الذكورية في كتابة التاريخ هي السمة الغالبة عليها، ومن النادر أن تنعكس في كلام المؤرخين خصوصيات ما يجري في البيوت وشؤون النساء، لذا كان سرد المفردات المروية عن تفاصيل حياة سيدة جليلة كالعقيلة زينب (ع) أمراً نادراً للغاية. كما أن المؤرخين اعتنوا في الأعم الأغلب بالشؤون السياسية وقضايا الحكم والحروب، متجاهلين مشاهد ممتدة من سيرة شخصيات مهمة ورئيسية في التاريخ الإسلامي كعلي والحسنين (ع) عندما لم يكونوا منخرطين في هذه الشؤون المباشرة. ومن هنا، فإن من الصعب جداً أن نجد نصاً تاريخياً خاصاً بالسيدة زينب في مرحلة ما قبل كربلاء، مما يعمد بالباحث إلى محاولة دراسة استيحائية يستقيها من خلال ما نُقل عنها في أجواء كربلاء والأحداث اللاحقة، لأن ما صدر عنها على مستوى الموقف والكلمة والصلابة لا يمكن أن يكون وليد اللحظة، بل هو نتاج متأصل لعناصر شخصيتها المتجذرة في وجودها وكيانها.

تقابل القيم: أخلاق القيادة العلوية وانحراف الحكم الأموي

واحدة من المشاهد الكبرى التي تعطينا تصوراً استيحائياً عميقاً هي مواقفتها العظيمة أمام الحاكم الفعلي يزيد؛ تلك الشخصية الطاغوتية، المستهترة، والعبثية، التي لا تحترم الخصم، ولا تقيم وزناً للشرع، ولا للقيم، ولا للشرف، ولا للأعراف الإنسانية.

وقد روى الشريف الرضي في نهج البلاغة أن علياً (ع) أوصى عسكره قبل لقاء العدو بصفين بأمور بليغة، من بينها قوله: “لا تُقاتلوهم حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمد الله على حُجّة، وتركُكم إياهم حتى يبدؤوكم حُجّة أخرى لكم عليهم. فإذا كانت الهزيمة بإذن الله تعالى، فلا تقتلوا مُدبِراً، ولا تُصيبوا مُعوِراً، ولا تُجهِزوا على جريح، ولا تُهيِّجوا النساءَ بأذىً وإنْ شَتَمْنَ أعراضَكم وسَبَبْنَ أمراءكم، فإنّهن ضعيفاتُ القِوى والأنفُس والعقول -إذ العاطفة عندهن تغلب حكم العقل في القرارات والتصرفات- إنْ كُنّا لنؤمَرُ بالكَفِّ عنهن وإنهن لمُشركات! وإنْ كان الرجلُ ليتناولُ المرأةَ في الجاهليةِ بالفِهر أو الهَراوة فيُعيَّرُ بها وعقبُه مِن بعده”. وقد رُوي أن الإمام كان يوصي أصحابه في كل موطن يلقون العدو فيه بهذه الوصية الأخلاقية الرفيعة. هكذا يكون الحاكم الشريف الذي يمتلك القيم والأخلاق والمبادئ، ويحترم نفسه وإنسانيته ومنصبه وقوته.

في المقابل، انظر ماذا فعل الجيش الأموي في كربلاء وبإيعاز مباشر من يزيد؛ فلم يرحموا صغيراً ولا ضعيفاً، منعوا الماء، قطعوا الرؤوس، وجاءوا بالخيل لتدوس جثامين الشهداء الطاهرة، وأسروا النساء والأطفال، وحملوا الرؤوس أمامهم، وساقوهم في رحلة قاسية مليئة بالأذى والإهانة، وعرضوهم أمام الناس فلم يراعوا لهم أية حرمة دينية أو إنسانية. وهكذا تصرف يزيد على المستوى الشخصي حين جيء له برأس الإمام الحسين (ع)؛ ففي (البداية والنهاية) لابن كثير أنه لما جيء برأس الحسين فوُضع بين يديه، جعل يتمثل بأبيات الكفر والشماتة، وينكت بقضيب كان في يده في ثغره الشريف. فقام إليه أبو برزة الأسلمي منزعجاً وقال له: “أما والله لقد أخذ قضيبُك هذا مأخذاً! لقد رأيتُ رسولَ الله [ص] يرشفُه، ألا إنّ هذا سيجي‌ء يوم القيامة وشفيعُه محمد، وتجي‌ء وشفيعُك ابنُ زياد”. وغير ذلك مما تواترت به روايات المؤرخين حول هذا المشهد البشع.

ملحمة الأسْر: العقيلة زينب في مواجهة الطاغية

هذا هو يزيد، وهذه هي شخصيته الدنيئة، بينما كانت العقيلة زينب تقف أمامه وهي في قمة الشموخ على الرغم من كونها أسيرة، والمكلومة بكل ذلك العدد الهائل من الشهداء من أقرب الناس إليها وتلك الصورة الفجيعة، ولم يمضِ على أحداث كربلاء إلا عشرون يوماً فقط. وفوق ذلك كله، كان حمل الرؤوس على أسنّة الرماح يجعل مشاهد كربلاء حاضرة على الدوام أمام عينيها، ولم تتحمل مسؤولية نفسها فحسب، بل كانت تحمل مسؤولية من كان معها من النساء والأطفال في الأسر، فضلاً عن مواجهتها المستمرة لصور من محاولات يزيد وأعوانه إذلال الأسرى وإهانتهم وتحقيرهم.

ومن أبرز تلك المواقف ما رواه ابن كثير في تاريخه عن فاطمة بنت الإمام علي (ع) أنها قالت: “إن رجلاً من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه -يعنيني- وكنت جارية وضيئة، فارتعَدْتُ فَزِعَة من قوله، وظننتُ أن ذلك جائز لهم، فأخذتُ بثيابِ أختى زينب -وكانت أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز- فقالت لذلك الرجل: كذبت والله ولؤمت، ما ذلك لك وله. فغضب يزيد فقال لها: كذبت! والله إن ذلك لي، ولو شئتُ أن أفعله لفعلتِ. قالت: كلا! والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا. قالت: فغضب يزيد واستطار ثم قال: إيّاي تستقبلين بهذا؟ إنما خرجَ مِن‌ الدينِ أبوكِ وأخوك. فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدُّك. قال: كذبتِ يا عدوة الله. قالت: أنت أمير المؤمنين مسلَّط تشتُم ظالماً وتقهر بسلطانك. قالت: فو الله لكأنه استحَى فسكت”.

القوة الزينبية وانهيار الشرعية الأموية

من كل ما سبق، نستطيع أن نستوحي عناصر الشخصية العظيمة للعقيلة زينب (ع)، وما وراء تجلي كل تلك القوة، والعمق، والحجة البالغة في كلماتها الخالدة، حيث توالت الصفعات المدوية على وجه الخلافة الممسوخة، وما ذاك إلا دليل ساطع على قوة الشخصية، والشجاعة الفائقة، وعزة النفس التي كانت تتمتع بها، حتى كانت كأبيها الإمام علي (ع) الذي قال يوماً: “لو تضافَرَت العربُ على قِتالي، لما ولّيتُ عنها هارباً”.

نعم، تلك هي القوة الزينبية الصلبة التي دمرت عرش يزيد، وخلعت عنه أيَّة شرعية واهية كان يحاول التمسك بها، حين قالت بلسان الواثق بنصر الله: “ولئن جرَّتْ عَليَّ الدّواهي مُخاطبتَك، إلا أنّني لأستصغِرُ قَدْرَك، وأستَعظِمُ تَقريعَك، وأستكبِرُ توبيخَك. فكِدْ كيدَك، واسعَ سَعيَك، وناصِبْ جَهدَك، فواللهِ لا تَمحُو ذِكرَنا، ولا تُميتُ وَحيَنا”.

الشيخ علي حسن

View all posts