{يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16].
تتجلى الرسالة المركزية في هذه الآية الشريفة في ترسيخ حقيقة عظيم قدرة الله تعالى وسعة علمه ودقة إحاطته، وهي حقائق تتجاوز حدود التصورات البشرية الضيقة؛ إذ تفتح الآية أمام الإنسان آفاقاً إيمانية رحبة تنبثق منها رسائل تربوية وروحية غاية في الأهمية والعمق.
اليقين بحبال التوكل وصدق الالتجاء
إن إيماننا بهذه القدرة الإلهية المطلقة يجب أن يكون الدافع الأكبر لتعزيز الثقة بالله والتوكل الخالص عليه في سائر شؤون حياتنا ومساراتها. فعندما نرفع أيدينا بالدعاء، وعندما نتطلع إلى حل مشكلة مستعصية، أو نخوض تجربة شاقة واختباراً مصيرياً، يحضر في وعينا استشعار عظيم قدرة الله وإحاطته الشاملة بكل دقائق الأمور، مستحضرين أنه سبحانه هو السميع العليم القادر على استحضار تلك الحبة الصغيرة المحددة أينما كانت، حتى وإن استقرت في أطباق السماوات أو في ظلمات الأرض السحيقة. ومن هنا، حين يتلو المؤمن آية الكرسي أو يلهج بدعاء السفر طلباً للحفظ والسلامة، فإنما يصدر ذلك عن إيمان راسخ وحسن ظن بوعد الله؛ إذ تطمئن النفس للرعاية الإلهية المحيطة بها في كل شأن، مع الرضا التام بأنه إن لم يتحقق ما نرجوه أو وقع ما نكرهه، فذلك كله يجري بعين الله وحكمته وعلمه النافذ.
استشعار الرقابة ومسؤولية الحساب
ويقودنا الإيمان الراسخ بهذه القدرة والإحاطة إلى يقظة الضمير ودوام الإحساس بالرقابة الإلهية الدقيقة على كل ما يصدر عنا من أقوال وأفعال ومشاعر؛ إذ لا يغيب عن علمه تعالى مثقال ذرة، سواء كان في السر أم في العلن، وفي عتمة الليل أم في وضح النهار. وهذا الفهم يورث في النفس تعظيماً لجلال الله، ويبعث على التدبر في عمق المسؤولية ودقة الحساب الإلهي الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
طمأنينة الأرزاق وسكون الفؤاد
كما يدفعنا الإيمان بهذه الإحاطة إلى الرضا التام والسكينة بما قسمه الله لنا من أرزاق ومقادير؛ فلو كانت حبة الخردل المتناهية في الصغر -والتي لا تكاد تدركها العين المجردة إلا بجهد وتركيز شديدين- جزءاً مقدراً من رزق امرئ، لسيّرها الله وساقها إليه حتى تقع بين يديه، سواء كانت قابعة في صخرة صماء ملساء تائهة تحت ركام التراب، أو مستقرة في شق غائر داخل تلك الصخرة، أو تائهة في مجاهل الأرض وأرجاء السماوات على سعتها وترامي أطرافها.
فلنعمق دائماً في ذواتنا الشعور بأن الله سبحانه محيط بهذا الوجود إحاطة تامة، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولنرسخ ثقتنا به في أوقات الشدة ومحطات الرخاء على حد سواء، فهو خالقنا، وحافظنا، وهادينا، ومفيض النعم علينا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدراً.
