{كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ} [العلق: 6-7]. تتحدث هاتان الآيتان الكريمتان عن ظاهرة نفسية واجتماعية خطيرة تمثلت في الطغيان الناجم عن شعور الإنسان بالاستغناء، والذي يمكن تصوّره وتجلياته عبر مستويات متعددة:
- استغناء الفرد بالمال والسلطة: أن يرى الإنسان قوّته فيما يملكه من مال وفير، بما يحقق له الاستغناء عن الآخرين ويلبي شهواته الجامحة، ويتوهم أن بإمكانه تملك ما يريد، بما في ذلك النفوس وشراء الذمم والولاءات. هذا الشعور المتعاظم يدفعه إلى فقدان الاتزان وتجاوز الحدود الأخلاقية، فيطغى ويستضعف غيره تعالياً واستكباراً. وهناك عناوين أخرى تفعل الفعل ذاته بمن يفتقر إلى التقوى والضمير الإنساني، كالمنصب، والشهرة، والجاه الواسع.
- استغناء الإنسان الوهمي عن الله: أن يغتر الإنسان بأسباب القوة المتاحة له من مال، وصحة، وأمن، وفرص متاحة، فينسى ربّه وينخلع عن عبوديته متوهماً أنه لا يحتاج إليه سبحانه.
- استغناء الأمم والحضارات: أن تعيش أمة من الأمم شعوراً بالاستغناء المطلق نتيجة تفوقها العلمي، وتمدنها العمراني، وضخامة اقتصادها، وكثرة عددها، وقدراتها العسكرية الجبارة وخضوع الأمم لها. وكل ذلك يدفع تلك الأمة إلى الاستغراق في التفكير المادي البحت، ونسيان الله، والغفلة عن الموت، وإنكار الآخرة.
نماذج قرآنية في طغيان الأفراد والأمم
يزخر القرآن الكريم بنماذج متعدّدة ومبكرة لطغيان الأفراد والأمم إثر شعورهم المخادع بالاستغناء:
فرعون مصر واستعلاء الطاغية
يُعد فرعون المعاصر لنبي الله موسى (ع) أحد أبرز نماذج طغيان الأفراد؛ فقد بلغ به الغرور مداه حين قال للملأ من قومه: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ} [القصص: 38]. وبلغ في تجبره أن نادى في قومه متباهياً: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]. وما الذي كان يدفعه إلى ذلك الطغيان المدمّر؟ إنه الوهم القائم على الملك والسلطان: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51].
قوم عاد وبطش الحضارات المادية
تمثل قوم عاد نموذجاً صارخاً لطغيان الأمم والجماعات؛ فقد وصفهم القرآن بقوله: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 128-130]. وكان الدافع لتجبرهم هو الغرور بالقوة والامتداد التاريخي: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف: 69]، حتى قالوا بكل صلف وجهود: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: 15]، متناسين الخالق الأعظم: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15]، على الرغم مما أمدّهم به من أنعام وبنين وجنات وعيون.
الهولوكوست الأفريقي (المَعْفا): مأساة الاستعباد عبر الأطلسي
لا تقتصر صور الطغيان على الماضي السحيق، بل شهد التاريخ الحديث صوراً مروعة ناجمة عن الشعور بالاستغناء المادي والتفوق المصطنع. ومن أبرزها ما يُعرف بـ (الهولوكوست الأفريقي) أو (المَعْفا) -أي المحرقة في اللغة السواحيلية- والتي تمثل مصداقاً جلياً للآية الكريمة: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}.
فمنذ القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر، تم نقل ما لا يقل عن اثني عشر مليون إنسان أفريقي بكل وحشية عبر المحيط الأطلسي لبيعهم كعبيد في مستعمرات الأمريكتين، فيما شكل أكبر عملية ترحيل قسري واشتقاق بشري في التاريخ البشري. لقد طغت الأمم التي ارتكبت هذه الجريمة عندما وجدت نفسها تمتلك أسباب التفوق العسكري والتقني، فلم تقم وزناً لإنسانية أولئك المستضعفين، وأطلقت العنان لنهامها الاقتصادي المتوحش ليتغذي بأقل التكاليف، حيث شكّل استرقاق الأفارقة أحد الأسس الثلاثة لقيام اقتصادها الحديث.
ولم يقتصر الطغيان على الاستعباد الوحشي والأعداد المهولة، بل تجلى في انعدام أبسط مقومات الحياة على ظهر السفن، حيث مات قرابة مليوني انسان بسبب الأمراض، وسوء التغذية، والحبس، والتعذيب، والظروف غير الصحية، وألقيت جثثهم في عرض البحر طعاماً للأسماك. وإمعاناً في البغي، شُرّعت هذه الجريمة بقوانين جائرة؛ ففي سنة 1685م صدر ما يُعرف بـ (قانون السود)، المتضمن نظماً تأديبية قاسية حتى على أبسط المخالفات، بتبرير مقيت يدعي أن هذا القانون “منفعة” للعبيد أنفسهم! وصار من حق السيد أو وكيله إعدام العبد أو قطع أطرافه أو أصابعه، فضلاً عن الاعتداءات المستمرة على الشرف والتفريق بين الأم وأطفالها، ما دام السيد يرى المصلحة في ذلك.. وكل ذلك مصداق لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}.
جرائم العصر الصهيونية ومحكمة العدل الإلهية
ومثل الهولوكوست الأفريقي، شهد العالم في القرون الأخيرة أبشع صور الطغيان الناجم عن الشعور بالاستغناء والغطرسة المقيتة؛ وآخرها الجرائم الصهيونية المستمرة منذ أكثر من سبعة عقود، والتي توّجت بالمحرقة والإبادة البشرية العنصرية التي نفذتها آلة الحرب الإسرائيلية بحق أهل غزة، والتدمير الممنهج لكل مقومات الحياة فيها، إضافة إلى الاحتلال، والقهر، والأسير، والتعذيب المنهجي.
كل ذلك جرى وتحت مرأى ومسمع عالم اكتفى بالتفرج، بل وساهم أو كرّس قدراته لدعم آلة الإجرام الصهيونية، باستثناء القليل من الدول الراسخة في مواقفها -كدولة الكويت- الثابتة في نصرة القضية الفلسطينية وحقوق شعبها المشروعة، إلى أن توّج الصمود الأسطوري لأهل غزة بالإعلان عن وقف العمليات القتالية أملاً في أن يكون ذلك نهاية حقيقية للعدوان. ويبقى الأمل يحدونا بيوم يستعيد فيه كل أصحاب الحقوق أرضهم ومقدراتهم، وتبقى محكمة العدل الإلهية الفيصل المطلق بين الحق والباطل: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: 178].
