تعرض سورة الأحقاف صوراً متضادة ودقيقة لواقع الأجيال وعلاقة الأبناء بالآداب والقيم الإسرتية؛ إذ تبرز في طياتها صورتان متقابلتان من الأولاد: صورة الولد المُحسن المنطلق في إحسانه من إيمانه الخالص بالله وأخلاقه القويمة، وصورة الولد المتمرد المنطلق في تمرده من قاعدة فكرية ضالة تؤثر سلبياً على سلوكياته تجاه والديه وتجعله شخصاً وقحاً ومتجبراً.
التضحية الكبرى ومشهد الآلام الخفية
يبدأ العرض الإلهي بصورة الإنسان المُحسن وامتنان الله على الوالدين عبر التعبير البليغ: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15]. وهذا تعبير قرآني عميق يصور كم التعب والألم اللذين يدفان الأم إلى التبرم الطبيعي من عناء الحمل والولادة.
وليس في هذا الوصف أدنى لوم أو مذمة للأم، بل هي محاولة إلهية بارعة لتحريك الجانب العاطفي الدفين لدى الأبناء تجاه الوالدين، ولا سيما الأم على وجه التحديد، لعل ذلك يثمر عن إيقاظ الجانب الإنساني فيهم من خلال استدعاء هذه الحركة العكسية في الزمن بما تحمل من معاناة، وذكريات، ودلالات مرهفة. وتتأكد هذه الرعاية بمرور الزمن في قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا}، فلا هو شهر ولا شهران، بل ثلاثون كاملاً من التعب، والرعاية اللصيقة، والسهر، والدموع، والآلام المتواصلة.
استمرار البر في سن الأشد وتمام النعم
يمتد هذا التكليف الإلهي ويستمر متصلاً في حياة الإنسان: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15]؛ أي أن هذا الإحسان بالوالدين يجب أن يستمر عند الولد حتى في سنّه المتقدمة، حيث يكون الشعور بالقوة في ذروته، ويكثر فيه الانشغال بالدنيا، ويكون مستقلاً تماماً عنهما، سيما عندما يتزوج ويُنجب أسرته الخاصة.
وهنا يتجلى دعاء الصالحين المجيبين لنداء الفطرة والقرآن: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15]. يرتجي العبد ربه معترفاً بنعمه الكبرى؛ فربِ أنعمت علي بالهداية والصلاح وكانا هما السبب في ذلك، وأنعمت علي بالرزق والأمن والعافية والعلم والمعرفة وكانا السبب في توفير ذلك كله، فوفقني -يا رب- لشكرهما قولاً وعملاً. وتختتم هذه الصورة الناصعة بوعد الله الصادق: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16].
صورة الولد المتمرد واستعلاء الجهل
في المقابل، تعرض الآيات الكريمة الصورة السلبية المعاكسة تماماً، وهي صورة الولد المتمرد العاق: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي} [الأحقاف: 17]. وينبثق هذا القول عن شعور بالاحتقار والازدراء والانزعاج منهما، لأنهما لا يتوقفان عن محاولة هدايته ونقله إلى جادة الصواب، في حين يرى هو نفسه أكثر ثقافة واطلاعاً منهما، معتقداً أن الزمن ليس زمنهما، وأنهما قد تخلفا عنه حضارياً وفكرياً.
وأمام هذا الجحود، {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}؛ وهكذا يبقى قلب الأب وقلب الأم في لوعة مستمرة، وألم دائم، وحسرة بالغة، لأنهما يتمنيان لولدهما كل خير وهداية كما يتمنيانها لنفسيهما. وهذه هي عاطفة الأبوين الطبيعية والرحيمة، حتى إن نبي الله نوحاً (ع) في اللحظات الحاسمة من الطوفان دعا ربه أن يستثني ابنه من الهلاك وهو يعلم أنه ضمن الفئة التي حكم الله عليها بذلك: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 45-46]. هذه هي عاطفة الأبوين الطبيعية التي طغت حتى على الحالة النبوية لديه.
ولكن ما هي ردة فعل الولد على هذا الحنان الفياض والحب والألم؟ يأتي الجواب القرآني: {فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [الأحقاف: 17]. ولهذا النموذج المنحرف من الأبناء مصير أخروي بائس ومظلم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} [الأحقاف: 18].
فخ الغرور العلمي وشعور التفوق الأجوف
إن الشعور بالقوة، والعظمة، والاعتزاز بالنفس والرأي في الموضع الخاطئ، وكل ما يتبع ذلك من تكبر، يُعدّ من أخطر أسباب تدمير جوانب الخير والصلاح في شخصية الإنسان.
فمثلاً، أن تشعر بالقوة والعظمة والعزة حين تُلحق بالعدو المحارب لله ضربة موجعة وتذلهم، فهذا أمر مطلوب وممدوح، وشعور في محله الشرعي والتاريخي. ولذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54].
ولنا في سيرة النبي (ص) أسوة حسنة؛ ففي فتح مكة، لما بلغ رسول الله (ص) وادي ذي طوى شمال المسجد الحرام، وقف على راحلته يضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح العظيم، حتى إن عثنونه (طرف لحيته المباركة) يكاد يمس واسطة الرحل. بينما قبل سنة من ذلك، في عمرة القضاء حين دخل مكة مع أصحابه بعد سنوات المحنة والتهجير والحرب، أخذ عبد الله بن رواحة بزمام ناقته وأنشد أبياتاً تظهر القوة والعزة، فقال له عمر: “مه يا بن رواحة، بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول الشعر؟!”. فقال رسول الله (ص): “خلّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نَضح النبل” (أي رشقات السهام المتتالية). ثم وجه النبي ابن رواحة لقول أفضل وأكثر عزة: “إيهاً يا بن رواحة، قل: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده”. هذا موقف، وذاك موقف، وكل منهما يتطلب أسلوباً مناسباً في التعامل.
ضوابط التعامل مع الأهل وتواضع العلماء
ومن هنا يُقال: إنه من حق الأبناء أن يشعروا بالاعتزاز بما يمتلكون من علم وثقافة، ولكن تعاظم الاعتزاز بالنفس والشعور بالتفوق على الوالدين علمياً، أو فكرياً، أو مهنياً، أو جسدياً، أو في غير ذلك من المجالات، سيجرّ لا محالة إلى نتائج كارثية شبيهة بما ورد في آيات سورة الأحقاف.
إن أول حقيقة يجب أن يدركها الأبناء هي أن التفوق الحقيقي لا يكون بالعلم وحده؛ فهناك من يتفوق بأخلاقه، وهناك من يتفوق بحكمته، وهناك من يتفوق بإيمانه وأعمال الخير، وهناك من يتفوق بقدراته العقلية والمعنوية والروحية. ومن يحمل علماً جمّاً أو ثقافة معاصرة، عليه أن يتذكر جمال تواضع العلماء؛ فبتواضع الإنسان العالِم يمكنه أن يقتحم قلوب الناس قبل أن يقتحم عقولهم، ويزداد عظمةً في أعينهم. وفي الحديث النبوي الشريف: “مَن تواضع لله، رفعه الله”.
ثم إن وجد الأبناء أن تفكير الوالدين قد عفا عليه الزمن في نظرهم القاصر، فليتذكرا أنهما اللذان صنعاه وأعطاه من جسديهما، وقلبيهما، وروحيهما، وعقليهما، ما أوصله إلى ما صار عليه اليوم. وما قيل بشأن التفوق العلمي والثقافي ينسحب على سائر نواحي التفوق التي قد يتميز بها الأبناء، دون أن يمنحهم ذلك أي حق في الترفع على الوالدين أو احتقارهما.
الوفاء بالجميل ووصايا السجاد (ع)
إن الإنسان السوي في سلوكه وأخلاقه هو الذي لا يتنكر لأصحاب الجميل، ومن بين كل الناس، من أولي بذلك من الوالدين؟
وليتذكر الأبناء أن حال الوالدين -وإن لم يعبرا عن ذلك بالقول- هو كما جاء في دعاء الإمام زين العابدين (ع) في الصحيفة السجادية لولده حيث قال: “اللَّهُمَّ وَمُنَّ عَلَيَّ بِبَقَاءِ وُلْدِي، وَبِإصْلاَحِهِمْ لِي، وَبِإمْتَاعِي بِهِمْ” -يا رب، اجعلهم سبباً لسعادتي كلما رأيتهم، لا سبباً للحسرة والألم النفسي- “إلهِي، امْدُدْ لِي فِي أَعْمَارِهِمْ، وَزِدْ لِي فِي آجَالِهِمْ، وَرَبِّ لِي صَغِيرَهُمْ وَقَوِّ لِي ضَعِيْفَهُمْ، وَأَصِحَّ لِي أَبْدَانَهُمْ وَأَدْيَانَهُمْ وَأَخْلاَقَهُمْ”.
وليتذكروا أنه لا محل للكبر على الوالدين بأي لحاظ مهما تعاظم شأن الأبناء ومقامهم، وليحذروا أشد الحذر أن يقعوا في حبائل إبليس الذي حكم على نفسه بالخروج من رحمة الله في لحظة كبر واحدة، وأقسم أن يجعل داءه هذا وباءً يصيب به الناس ليبلسهم عن رحمة الله.
أيها الأبناء، تواضعوا لله، وتواضعوا مع آبائكم وأحسنوا إليهم، يرفعكم الله ويعلي شأنكم. وكلمة أخيرة ومشرقة للوالدين: أعينوا أبناءكم على بركم، وفي الحديث النبوي الشريف: “رحِمَ اللهُ مَن أعانَ ولدَه على برِّه”.
