{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 6-7].
وقال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 45-46].
إشكال الجبر والاختيار في ظلال الآيات
كيف يمكن أن نوفّق بين مدلول هاتين الآيتين، وبين ما نؤمن به قطعاً من أن الله جعل الناس مختارين في أفعالهم ولذا يستحقون العقوبة والثواب؟ وكيف يقطع الله عنهم سبل الهداية ثم يعاقبهم على ضلالهم؟
إن التعبير بالختم على القلب، ووجود الغشاوة، والحجاب، والأكنّة، والوقر في الآذان، كلها مصطلحات توحي بوجود فِعل وتدخّل إلهي مباشر لمنع هؤلاء من الإيمان. فكيف يعاقبهم الله بعد ذلك على أمر قد سلب منهم الاختيار فيه وكانوا مجبرين عليه؟ وهل يتوافق شيء من هذا مع إيماننا المطلق بعدل الله المطلق، وهو القائل سبحانه: {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [ق: 29]؟
الاتجاه الأول: التعبير المجازي وسلب القابلية الاختياري
يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن التعبير قرآني مجازي؛ فلا يوجد حجاب مستور، ولا أكنّة حقيقية على قلوبهم، ولا وقر عيني في آذانهم، بل المراد من ذلك أنهم أصرّوا على عدم التدبّر والاعتبار والاهتداء، واختاروا بمحض إرادتهم أن يكونوا كالأنعام والجمادات.
افترض أنك جلست أمام خروف، وصرت تشرح له مفاهيم الإسلام وشرائعه، وتكرر عليه ذلك على مدى سنة كاملة، فهل سيعقل هذا الخروف شيئاً من كلامك؟ وتصوّر لو أنك استقبلت جداراً أصماً، وصرت تدّققه بالقرآن، أكان يستوعب شيئاً من ذلك؟
إن حال هؤلاء القوم تماماً كحال هذا الخروف، وكحال هذا الجدار في عدم الاهتداء وقبول الحق. والفارق الجوهري أن الأنعام والجمادات خُلقت بهذه الصفة التكوينية، بينما كان إصرار هؤلاء القوم ناتجاً عن إلغاء عقولهم باختيار منهم، فجعلوا أنفسهم كأشياء لا تملك القابلية على الفهم والاهتداء والاستيعاب.
الاتجاه الثاني: السببية العامة والتدبير الإلهي للقوانين
يرى الاتجاه الثاني أن الآيات تشير إلى السبب الأعمق والأشمل في هداية الإنسان وضلاله. صحيح أن الإنسان مختار في أفعاله، ولكن يا تُرى من الذي أعطاه العقل؟ ومن الذي جعله مختاراً؟ ومن الذي وفّر له وسائل الهداية وأدوات الإضلال؟ ومن الذي وضَع أصل الاختبار والابتلاء؟
إنه الله عز وجل. ألا يستطيع الله أن يمنع الشيطان من التأثير علينا؟ بلى يستطيع. ألا يستطيع أن يجبر الإنسان على الهداية؟ ألم يكن بمقدوره ألا يوجِد هذه القوانين الخاصة بالهداية والضلال؟ ألا يستطيع أن يعطّل القوانين التي وضعها؟ ألا يستطيع أن يلغي الاختبار برمته؟ بلى يستطيع.
وحيث إنه خلقنا بهذه الصورة، ومكّن الشيطان من الوسوسة، ولم يجبرنا على الهداية قسراً، وهو واضع القوانين والاختبار وهو الذي لم يعطّلها، لذا صحّ لغوياً وعقلياً أن يُنسب الفعل إليه مجازاً أو تكويناً، من غير أن يشوب ذلك أي ظلم.
الاتجاه الثالث: العقوبة المكتسبة جزاءً للعناد والطغيان
يؤكد هذا الاتجاه أن الآيات بصدد بيان العقوبة الإلهية النازلة بفئة معيّنة بذاتها من الكافرين، نتيجة جحودهم المستمر وإصرارهم على الكفر والعناد والطغيان، كما جاء في الآية الكريمة: {فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللّه قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، لا أنها بصدد بيان حال كل الكافرين بالمطلق.
وقد بيّن الإمام الصادق (ع) -فيما روي عنه في الكافي- وجود أصناف متعددة للكفر؛ حيث سأله الراوي: (أخبِرْني عن وجوه الكفر في كتاب الله عز وجل، قال: الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه، فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر الله، وكفر البراءة، وكفر النعم)، ثم استرسل الإمام في بيان الاختلافات الدقيقة بين هذه الوجوه.
إن قول الله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يخصّ الفئة التي اختارت -وبإرادتها وعنجهيتها- أن تُصرَّ على الكفر وتجحد بالإيمان، بل حوّلت موقفها إلى مواجهة سافرة وأعلنت الحرب على الله سبحانه، وعلى النبي، والقرآن، والرسالة، والمؤمنين. فلذا عاقبهم الله في الدنيا بأن أغلق عنهم أبواب الهداية إثر تعنتهم.
ونحن نؤمن بأنّ {اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]؛ هذه هي القاعدة الكلية الحاكمة على أوضاع الناس في هذه الحياة وفي مصيرهم الأخروي، وهي القاعدة الحاكمة على الآيات التي تنسِب -في ظاهرها- هداية الناس وضلالهم إليه عز وجل. فالقرآن الكريم يؤكد -على الدوام- على المسؤولية الشخصية المباشرة عما يصدر عن الإنسان من عمل، وعلى أساسها يستحق العقوبة أو الثواب: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].
