{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6].
جاءت البشارة برسول الله (ص) على لسان بعض الأنبياء والرسل السابقين، ومن بينها هذه البشارة التي ذكرته باسمه، وإن اختلف اللفظ قليلاً؛ ولعل ذلك يعود إلى التغيرات اللغوية بين الألسنة. فنحن في العربية نقول (كسرى) بينما يقول الفرس (خسرو)، ونقول (هرقل) وعند اللاتينيين (هركليوس)، كما أننا نقول (عيسى)، وهو في لغته الأصلية (يشوع)، و(يحيى) وهو في لغته (يوحنا).
دلالات الأسماء الإلهية وخصوصية التسمية
ولعلنا نفهم خصوصية ذِكر البشارة بنبينا (ص) بالاسم من خلال ما جاء في البشارة بالنبي يحيى (ع): {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم:7]، أي أن الله تعالى هو الذي اشتقَّ له هذا الاسم مِن الحنان، فسماه يوحنا، أي حنان الله، ولذا قال عنه بعد ذلك: {وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا} [مريم:12-14]. فاسمه جامع لمقامين؛ الأول: الحنان والشفقة على والديه وعلى الناس، والثاني: أنه نال حنان الله تعالى. وهو اسم فريد لم يسبقه إليه أحد، لكي تكون هذه المعجزة آية وعلامة على صحة نبوته ورسالته.
وهكذا الأمر بالنسبة إلى رسول الله (ص)، فقد اختار الله تعالى له اسماً مشتقاً من الحمد، وهذا الاسم الجامع ينطوي على مقامين عظيمين؛ الأول: مقام الحامدية والمجاهدة، إذ كان كثير الحمد لله تعالى فكان أحمد، والثاني: مقام المحمودية والاصطفاء، إذ كان المحمود من الله كثيراً. وهو كذلك اسم فريد في بيئته، وقد أشار المحققون إلى أن التسمية به كانت نادرة جداً، وأحصى البعض -من خلال تتبع النصوص التاريخية- من حملوا هذا الاسم قبله فكانوا ستة، وزاد البعض حتى بلغ عددهم سبعة عشر.
وفي هذا السياق، يقول القاضي عياض في كتاب (الشفاء): “الله جل اسمه حمى أن يُسمّى بهما أحدٌ قبل زمانه… إلى أن شاع قبيل وجوده وميلاده أنَّ نبياً يُبعث اسمه محمد، فسمّى قومٌ قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو… ثم إن الله حمى كل مَن تسمّى به أن يدّعي النبوة، أو يدّعيها له أحد”. ونظير هذا يقال إن الله لم يجعل له من قبل سمياً، لكي تكون هذه علامة واضحة على انطباق البشارة عليه وحده، وإنما عمد البعض إلى وضع أخبار أخرى إما بغرض التشويق أو بقصد سلب النبي (ص) واحدة من خصائصه وعلامات نبوته ورسالته.
شبهات المستشرقين ومفنّداتها العلمية
وكما سعى البعض من قبل لسلب خصوصية التسمية بمحمد، سعى بعض المستشرقين للتشكيك في كون هذا الاسم هو اسمه الحقيقي؛ حيث ادّعى الألماني نولدكه، والنمساوي سبرنجر، والفرنسي درنبرغ، وغيرهم، أن اسمه في الأصل كان (قُثَم)، فلما نادى بالنبوة والرسالة وهو في الأربعين من عمره، غيّر اسمه إلى (محمد) كي تنطبق عليه البشارة.
ومستندهم في ذلك ما ورد في كتاب (الكامل في ضعفاء الرجال) لابن عدي الجرجاني، عن جابر وغيره مرفوعاً: “إنّ لي عند ربّي عشرة أسماء… وأنا رسول الرّحمة، ورسول التّوبة، ورسول الملاحم، وأنا المقفّي؛ قفّيت النّبيّين عامّة، وأنا قثم، والقثم: الكامل الجامع”.
ولكن الخلل في الاعتماد على هذه الرواية واضح جلِيّ ومن عدة جهات علمية ومنهجية؛ أولاً: أن الرواية مروية في كتاب مخصص لضعفاء الرجال، مما يعني وجود خلل في سندها. ثانياً: أن نص الرواية صريح في قول النبي (إنّ لي عند ربّي عشرة أسماء) فهي -ومن بينها قثم- ليست أسماءه الدارجة بين الناس ولا ينادونه بها، وهو ما يخالف تماماً ما ادعاه المستشرقون. ثالثاً: أن الأسماء المذكورة هنا تجري مجرى الصفات؛ فهو رسول الرحمة ورسول التوبة، وهكذا يكون (قثم) بمعنى الكامل الجامع بحسب ما جاء في سياق الرواية. رابعاً: أن الرواية رويت عند الفريقين بألفاظ أخرى خلت تماماً من كلمة (قثم).
تجلي النور الإلهي وانتشار الاسم المبارك
لقد اختار الله تعالى لنبينا (ص) اسماً فريداً لم يسبقه إليه أحد، بشّر به بعض الرسل من قبل ليكون علامة على صدق دعواه في النبوة والرسالة، وقد اشتق من الحمد ودلّ على مقامي الحامدية والمحمودية. وأعطاه ببدء رسالته سورة الحمد وجعلها فاتحة كتابه المجيد، فكان ذلك -مع دلالة اسمه الشريف- نوراً على نور يؤكد بأنه أحمد الذي بشّر به المسيح (ع) من قبل.
ومع كل ما شُنَّ على الرسول والرسالة من حروب وعوادي حال حياته وبعد وفاته، أبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون وأرصَد للحرب من أرصد، بل أصبح اسم (محمد) أحد أكثر الأسماء انتشاراً على وجه الأرض، لا في بلاد المسلمين فحسب؛ ففي بريطانيا -على سبيل المثال- تصدّر هذا الاسم المركز الثالث بحسب مكتب الإحصاء الوطني البريطاني. وفي فرنسا، وبعد أن خلت دفاتر الولادات الفرنسية قبل سنة 1925 من هذا الاسم، صار اليوم أحد أكثر الأسماء انتشاراً فيها، ليكون بذلك آية من آيات تحقق الوعد الإلهي بأن ضرب الإسلام بجِرانه وانتشر في الآفاق: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33].

