تكتسي زيارة الأربعين المباركة اليوم أهمية بالغة وخصوصية استثنائية في الواقع الشيعي، على الرغم من أن إحياءها بقصد السير على الأقدام نحو المرقد الشريف لسيد الشهداء (ع) ليس ظاهرة مستحدثة في الجذور التاريخية. لقد تحولت هذه المسيرة المليونية الكبرى إلى معلم بارز وشاخص من معالم التشيع العابرة للحدود الجغرافية على المستوى العالمي، محطّ أنظار وكالات الإعلام الدولية، ومرتاداً يستقطب أعداداً لافته من الباحثين والمهتمين بالظواهر الدينية والاجتماعية من خارج النطاق الإسلامي، سواء على مستوى خوض التجربة الميدانية أو التغطية الصحفية والتوثيقية.

توجيهات المرجعية العليا وصيانة الشريعة

استجابة لهذه المكانة الرفيعة وما تحمله من أبعاد روحية، صدرت حزمة من التوصيات والتوجيهات السديدة عن المرجعية الدينية العليا لتأطير هذه الشعيرة؛ ومن أبرزها ما صدر عن مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني -حفظه الله-. ومما جاء في هذه البيانات التوجيهية المباركة التأكيد على أن من مقتضيات الزيارة -مضافةً إلى استذكار تضحيات الإمام الحسين (ع) في سبيل الله- هو العناية الفائقة بمراعاة تعاليم الدين الحنيف، وفي مقدمتها إقامة الصلاة في أوقاتها، وحفظ الحجاب والعفاف، ونشر قيم الإصلاح، والعفو، والحلم، والأدب الرفيع، واحترام حرمات الطريق، وسائر المعاني الأخلاقية الفاضلة. وتدعو التوجيهات لأن تكون هذه الخطوات المباركة وسيلة لتربية النفس واستمرار آثارها فيما بعد الزيارة، ليكون الحضور فيها بمثابة الجلوس في مجالس التعليم والتربية النبوية والحسينية.

كما شدّدت التوجيهات على عِظم شأن الصلاة باعتبارها عمود الدين ومعراج المؤمنين، وضرورة الالتزام بها في أولوية الوقت وبذل غاية العناية بها أسوة بالإمام الحسين (ع) الذي أقامها في ساحة المعركة وسط شدة الرمي. وإلى جانب ذلك، حذرت التوجيهات من آفة الرياء والتباهي، داعية إلى تحري الإخلاص الخالص لله تعالى في كل خطوة وعمل، لأن قيمة العمل وبركته مرتهنة بمدى صفائه من الشوائب. وخصّت التوجيهات جانب الستر والحجاب بالتأكيد الصارم باعتباره الغاية التي طالما اعتنى بها أهل البيت (ع) في أشد الظروف قساوة، محذرة من أي مظهر يخدش العفاف والكرامة من الألبسة الضيقة أو المظاهر غير اللائقة، تنزيهاً لهذه الشعيرة المقدسة عن كل شائبة لا تتناسب ومضمونها السامي.

مناشئ الانحراف وظهور الشوائب الدخيلة

إن ظهور بعض الشوائب والظواهر السلبية في مسيرة الأربعين أو المناسبات الدينية عموماً لا يخرج في الغالب عن ثلاثة مناشئ رئيسية؛ أولها فئة تتعمد إقحام هذه البدع لأغراض خبيثة ترمي إلى إفساد المشروع وتشويه صورته الناصعة وتقليص تأثيراته الإيجابية الجبارة. وتتوسل هذه الفئة بالتظاهر الكاذب بالانتساب للمشروع وربما المبالغة في إظهار الحماس لأجل دس السم في العسل، وهو ذات الأسلوب الماكر الذي اتبعه المنافقون قديماً حين بنوا مسجد الضرار تفريقاً للمسلمين، أو ما وثقته نصوص أهل البيت (ع) من دس المغيرة بن سعيد وغيره لروايات مكذوبة وغلو مقيت في كتب الأصحاب لتشويه العقيدة الحقة.

والمنشأ الثاني يتمثل في فئة تقع في هذه المخالفات نتيجة الغفلة، أو ضعف التدبر في عواقب الأمور، أو الجهل والتحمس غير المبرر، فيسيئون من حيث لا يقصدون الإساءة. وأما المنشأ الثالث فهو غلبة الأهواء وتداخلها مع النوايا الصالحة، حيث يتسلل الرياء ليحبط قيمة العمل الخالص، مصداقاً للتحذير الإلهي من الخروج بطراً ورئاء الناس، وهو ما شددت عليه الروايات الشريفة في بيان أن “الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل”.

بدع ومظاهر مرفوضة في ميزان الوعي

تجلت مؤخراً بعض الممارسات الشاذة التي لا تمت للخدمة الحسينية بصلة، ومن أبرزها ما نُقل عبر مقطع مصور لأحد مواكب الإطعام حيث أقدم القائمون عليه على دس الأوراق النقدية في جوف اللحوم المقدمة للزوار تحت عنوان “كمال الكرم”. وهو تصرف أهوج لا يمكن وصفه إلا بأنه سلوك سفهي يسيء إساءة بالغة لعنوان خدمة الزائرين ولرمزية الأربعين ككل. وقد يجادل البعض بأن إثارة هذه السلبيات قد تشوه سمعة الزيارة، غير أن التجربة علمتنا أن السكوت عن البدع لا يميتها بل يغذيها لتتضخم وتصبح ظاهرة عارمة.

ولنا في قصة استحداث “بقع الطين” قبل سنوات عبر افتعال مساحات لتمعّك المشاية بوجوههم وأجسادهم عبرة، فقد سكت عنها البعض بحجة العاطفة، حتى تحولت اليوم إلى طقوس مفتعلة يتعمد فيها البعض الغوص وسط السباخ المائية عناءً واختلاقاً، لتتحول إلى مادة سائغة للسخرية والطعن في الشعيرة. ومثل ذلك يقال عن الإسراف المفرط في إعداد الطعام وتبذيره في النفايات، وهو ما استُفتي بشأنه المرجع الأعلى السيد السيستاني فأفتى بحرمة التبذير وبغضه، داعياً إلى التنسيق لمنع الهدر والاكتفاء بما يحتاجه الزوار فعلاً.

نداء المواساة وصرخة الضمير الإنساني

حين نمعن النظر في هذه المظاهر، يبرز السؤال الملحّ: أين هذه الممارسات من روح المواساة الحقيقية للركب الحسيني وأهل بيت النبوة في سبيهم وآلامهم؟ وهل يرضى من يحمل أدنى بصيرة بأهداف النهضة الحسينية بمثل هذه الاستعراضات المستفزة، في الوقت الذي يواجه فيه إخواننا في الدين أبشع فصول التجويع والإذلال، والموت في طوابير المساعدات الغذائية على أبواب غزة والمنكوبين؟ ألم تكن أموال الإسراف هذه أولى وأحق بالوصول إلى المستحقين والمظلومين ممن تقطعت بهم السبل؟ إن المواساة الحقيقية تكمن في البساطة والتواضع والاعتدال والالتزام بالحد الأدنى الذي ينسجم مع جلال المناسبة وألمها.

نحو تأسيس لجنة عليا لمعالجة الظواهر السلبية

حفظاً لصورة الأربعين ومضمونها العظيم الذي أدهش العالم بأسره وأدار الرقاب إجلالاً لعظمته، تبرز الحاجة الملحة اليوم إلى تشكيل “(لجنة معالجة الظواهر السلبية)” تحت إشراف الحوزة العلمية المباركة، لتضم في دائرَتِها نخبة من العلماء وأهل الاختصاص. وتضطلع هذه اللجنة بمهمة الرصد الواعي للشوائب الدخيلة والمظاهر المنحرفة، وابتكار آليات وأدوات عملية لمنعها ومعالجتها بالحكمة والموعظة الحسنة، من خلال فرق ميدانية مؤهلة تسعى لإماتة البدع وإحياء السنن، وإشاعة ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صيانةً للنقاء الرسالي لهذه الشعيرة المباركة.

الشيخ علي حسن

View all posts