“صوت هند رجب”… هذا عنوان فيلم درامي إنساني أجبر مشاهديه على الوقوف على أقدامهم والتصفيق لمدة أربع وعشرين دقيقة متواصلة؛ لا لنجاح القائمين على إنتاجه في براعة التمثيل والتصوير والإخراج، بل لما عرضه هذا العمل من فاجعة إنسانية لا يكاد يصدقها عقل ويعجز اللسان عن وصفها، وقد وثقها تسجيلاً صوتياً حياً دار بين الضحية ومسعفيها.

تفاصيل الجريمة ومحنة الطفولة المحاصرة

هند رجب، طفلة غزية صغيرة، حوصرت المركبة التي كانت تستقلها مع والدها وبعض أفراد أسرتها من قبل الدبابات الإسرائيلية التي أطلقت عليهم رصاصها بكثافة حتى أردتهم قتلى جميعاً، ولم يبق على قيد الحياة سواها مع ابنة عمتها ليان التي كانت في الرابعة عشرة من عمرها. ولما قامت الأخت بالاتصال بالهلال الأحمر الفلسطيني طالبة النجدة، سمع المسعفون صوتاً كثيفاً لإطلاق الرصاص، أعقبته صرخات ليان المدوية وانقطاع الاتصال تماماً.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد عاود الهلال الأحمر الاتصال على الرقم ذاته، فأجابت الطفلة هند مستنجدة وهي تتوسل سرعة إنقاذها، لكون الدبابة تقترب تدريجياً من المركبة، ولكون جميع من كان معها قد فارقوا الحياة، وهي مرعوبة بشدة مما يدور حولها.

رحلة الإنقاذ الشهيدة ومأساة طاقم الإسعاف

على أثر ذلك، انطلق طاقم من الهلال الأحمر -بتنسيق مباشر من خلال الارتباط الفلسطيني- لإنقاذ الطفلة العالقة، غير أن الاتصال مع طاقم الإسعاف انقطع هو الآخر في ظروف غامضة.

وبعد اثني عشر يوماً من ترقب المصير، وتحديداً يوم السبت العاشر من فبراير سنة 2024، عُثر على جثمان الطفلة الشهيدة هند ومن كان برفقتها في المركبة المدنية التي تبين أنها تعرضت لوابل كثيف بلغ ثلاث مِائة وخمس وخمسين رصاصة. كما عُثر على مركبة الإسعاف التي انطلقت لإنقاذها وقد وجدت مقصوفة ومدمرة، وقد استشهد طاقمها المكون من مسعفين اثنين.

شاهدة العصر وأيقونة فضفح النفاق العالمي

هكذا غدت الطفلة هند رجب ذات السنوات الست شاهدة على العصر؛ شاهدة على إجرام صهيوني لا يُعرف لتوحشه حد، ولا يقيم لأي قانون أو عرف دولي أية قيمة. كما تحولت إلى شاهدة حية على النفاق السياسي الغربي والعالمي الذي يتظاهر -في مجمله- بالحرص على القيم الإنسانية، في حين أنه يدعم بصورة أو بأخرى، أو يتجاهل صراحة، ما يُرتكب في غزة من جرائم عدوانية وحصار مدمر وتجويع ممنهج.

ولتنقلب هند إلى أيقونة كبرى تواجه الآلة الإعلامية الداعمة للاحتلال، وتفضح ادعاءاتها الكاذبة، وتكشف للعالم أجمع الوجه البشع للكيان الغاصب الذي طالما حاول إخفاء وحشيته بالتستر بلباس الديمقراطية المزعومة، وتهديد كل من يواجهه بشماعة معاداة السامية.

الشيخ علي حسن

View all posts