تعتبر السيرة العملية المروية عن النبي (ص) والأئمة (ع) -بعد التحقيق والتمحيص- مصدراً من مصادر المعرفة والحكمة، ومنبع إلهام لنا في برمجة حياتنا بصورة أفضل. ومن هنا نريد أن نتوقف عند مشاهد خالدة من سيرة الإمام الصادق (ع) لها ارتباط وثيق بقيمة العمل وأهميته الكبرى في بناء الإنسان والمجتمع.
عرق الجبين وسياق الاستغناء عن الغير
في الكافي بالسند عن أبي عمرو الشيباني قال: “رأيت أبا عبد الله [ع] وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له، والعرق يتصابّ عن ظهره، فقلت: جُعلت فداك، أعطِني أَكفِك، فقال لي: إنّي أحِبُّ أنْ يتأذّى الرجلُ بحَرِّ الشمسِ في طلبِ المعيشة”.
قد يملك الإنسان المال الذي من خلاله يستأجِر مَن يؤدّي عنه العمل بشكل تام، وقد يتوافر عنده مَن يخدمه في كل صغيرة وكبيرة، بل وقد تكون له من الوجاهة الاجتماعية ما يستوجب -في نظر العرف- أن يترفّع عن العمل بنفسه. وهكذا كان حال الإمام الصادق (ع)؛ فلم يكن ينقصه المال، ولا الخدم، وله من الوجاهة -وبأكثر من عنوان- ما لا يخفى من إامة، وسيادة، ونسب، ومقام علمي رفيع، وغير ذلك. ولكنه مع هذا كله كان يحرص على أن يعمل بنفسه وبيديه ضمن المتيسّر له.
ويؤكد هذه الحقيقة ما رواه الكليني في الكافي بالسند عن أبي بصير قال: “سمعت أبا عبد الله [ع] يقول: إني لأعمل في بعض ضياعي حتى أعرَق، وإنّ لي مَن يكفيني، لِيعلم الله [عز وجل] إني أطلب الرزقَ الحلال”. وهكذا كان النبي (ص)، وهكذا كان علي (ع)، وهكذا كان الباقر (ع) من قبلُ.
الوظائف الصورية ووهم الراحة المطلقة
في مقابل هذا النهج الأصيل، نجد اليوم مفهوماً مغلوطاً لدى بعض الشباب يتمثّل في البحث عن أقل الفرص الوظيفية بذلاً للجهد، ولو تسنّى لأحدهم أن يجد وظيفةً تعفيه تماماً عن الإنتاج ويكتفي من خلالها ببصمة الحضور والمغادرة، لأقبل عليها وحرص على الاحتفاظ بها بأي ثمن.
حال هذه الفئة من الشباب كحال رجل اسمه (العلاء) طلب من الإمام أن يدعو له بمثل ذلك؛ والخبر يرويه الكليني في الكافي عن أيوب قال: “كنا جلوساً عند أبي عبد الله [ع] إذ أقبل العلاء بن كامل، فجلس قُدّام أبي عبد الله [ع] فقال: ادع الله أن يرزقني في دعة” -أي في راحة ومن دون تعب وبذل جهد- “فقال: لا أدعو لك، اطلب كما أمرك الله عز وجل”.
إن فترة الشباب تعني أن الإنسان في قمة طاقته وحيويته، وهي المرحلة التي يُتوقَّع منه فيها أن يكتسب خبرات حياتية واسعة، سواء تلك المرتبطة بالعمل الميداني، أو بالبعد الاجتماعي، أو المعرفي. ولذا فإن الرضا بالوظائف الصورية، أو البحث العبثي عن أكثر الوظائف راحة وخمولاً، يُعدّ خطأً فادحاً في الاختيار، وتجَنّياً على النفس، وهدراً للطاقات، وتضييعاً للفرص، فضلاً عما يلفها من مردودات صحية خطيرة تتعلق بالخمول العضلي وأمراض السكر والقلب وغيرها.
وينسحب هذا الخلل على الأعمال اليدوية والمنزلية أيضاً؛ إذ تفتقر الغالبية العظمى من شباب اليوم إلى المهارات الأساسية في إصلاح أبسط الأمور من حولهم متذرعين بمقولة (حط فلوسك بالشمس واقعد بالظلال). وهذا خطأ مفهومي وعملي واضح، فالمجتمع السليم يقوم على تقديس العمل باعتباره قيمة إنسانية ودينية رفيعة.
وفي هذا السياق، يوجهنا الإمام (ع) إلى الاقتداء بالنملة، فعن العلاء قال: “سمعت أبا عبد الله [ع] يقول: أيعجزُ أحدُكم أن يكون مِثل النملة؟ فإن النملة تجُرُّ إلى جُحرها”. وكأن الإمام (ع) يوجه عتاباً بليغاً للمتكاسلين عن السعي: ألا تستحون؟! هذه النملة -التي لا تقيمون لها وزناً ولا تبالون أن تدوسوها بأرجلكم إذا رأيتموها- تفوقكم نشاطاً وحيوية وعملاً.
خطيئة التفرغ المفتعل وميزان العبادة الحقة
لو تردّد الأمر بين العمل لكسب الرزق وبين التفرّغ التام للعبادة، فإن المنظور النبوي والعلوي يرفض الانكفاء عن السعي، بل قدّم الإمام (ع) السعي والعمل على التفرغ المبتسر.
ففي الكافي بالسند عن عمر بن يزيد قال: “قلت لأبي عبد الله [ع] رجل قال: لأقعدن في بيتي، ولأصلين ولأصومَن ولأعبدَنّ ربي، فأما رزقي فسيأتيني. فقال أبوعبد الله [ع]: هذا أحدُ الثلاثة الذين لا يُستجاب لهم”. بل وفي رواية أخرى اعتبر الإمام أن المنفق على هذا المتفرّغ كلياً للعبادة أفضل عند الله منه، لأن الأول ينتج ويسعى ويكفي نفسه وغيره.
وبحسب التتبّع التاريخي، فإن التفرّغ للعبادة والاكتفاء بما يقدّمه الآخرون كمساعدة مسلك بدأ يتحوّل إلى ما يُشبه الظاهرة على عهد الإمام (ع)، بذريعة التزهد، والإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، والتصوّف الزائف. وهو مسلك يشبه إلى حد بعيد ما نراه اليوم عند الرهبان البوذيين في تايلند؛ حيث ينطلق هؤلاء بعد برنامج روحي مكثف ظهراً في الأسواق والطرقات وبيد كل منهم إناء صغير يستجدون فيه من المتسوقين والباعة شيئاً من المال أو الطعام.
والآن فلنلاحظ موقف الإمام الصادق (ع) الحازم من هذا السلوك؛ ففي الكافي بالسند عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: “استقبلتُ أبا عبد الله [ع] في بعض طرق المدينة في يوم صائف شديد الحر، فقلت: جعلت فداك، حالُك عند الله [عز وجل] وقرابتُك من رسول الله [ص]، وأنت تُجهد نفسك في مثل هذا اليوم؟ فقال: يا عبد الأعلى، خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك”.
نحو ثقافة عمل واعية وبناء متوازن للشباب
إن للعمل مكانة مقدسة في الإسلام، وقد أكّدت النصوص الشريفة على ذلك، وصدّقَتها المشاهدُ العملية المروية من سيرة النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع)، ومن ذلك ما رُوي من كدح الإمام جعفر الصادق (ع) وعرقه في سبيل كسب الرزق الحلال، حتى قُدِّم كسبُ الرزق والاستغناءُ عن الناس على التفرّغ التامّ للعبادة المطلقة.
إن الموازنة بين العمل والعبادة أمرٌ مطلوب، شريطةَ ألا يتحول طلبُ الرزق إلى حالةٍ من الحرص الشديد والتعلق المذموم بالدنيا ونسيان الآخرة. ومن هذا المنطلق، ندعو أحبابنا الشباب الذين اختلطت لديهم المفاهيم، وفضلوا الاسترخاء على العمل والراحة على التعب، إلى إعادة حساباتهم، والتفكير الجادّ في تغيير نمط حياتهم الذي بات أسيراً لألعاب الفيديو، أو التسكّع العبثي في المقاهي والمجمعات التجارية، أو الضياع في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي، ليكونوا لبنات صالحة وبناة حقيقيين لأنفسهم وأوطانهم وأمتهم.

