فلسفة المحاكاة الوجدانية عند حمل النعش تطرح الرؤية التربوية في مدرسة أهل البيت منهجاً استثنائياً في استثمار المشاهد الحياتية المؤثرة لتحويلها إلى يقظة وجودية تعيد ترتيب أولويات الإنسان. يبرز هذا المعنى في الوصية البليغة المروية عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) حين قال:

«إِذَا أَنْتَ حَمَلْتَ جَنَازَةً، فَكُنْ كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمَحْمُولُ، وَكَأَنَّكَ سَأَلْتَ رَبَّكَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا فَفَعَلَ، فَمَاذَا تَسْتَأْنِفُ؟».

تضع هذه الوصية الإنسان أمام تمرين ذهني ووجداني بالغ العمق؛ إذ لا يُراد من مشيع الجنازة أن يكون مجرد حامل لجسد فارق الحياة، بل أن يضع نفسه مكان الراحل، متخيلاً لحظة إدراك النهاية، واستجداء فرصة ثانية للعودة إلى دار التكليف، وتساؤله المصيري: ماذا سيعمل من جديد؟ وما هي المسارات التي سيستأنفها في حياته لو كُتب له هذا الرجوع المستحيل؟

صدمة الانتقال ويقظة الحقيقة في التصوير القرآني يقف العقل البشري عاجزاً أمام إدراك اللحظة التي يفاجأ فيها الإنسان بحقيقة الموت، غير أن القرآن الكريم يقدم مشاهد تصويرية دقيقة تجسد هول تلك المفاجأة والانكشاف التام لحقائق الوجود؛ ومن ذلك قوله تعالى: {لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٌ} [ق: 22].

تتحول الرؤية في تلك اللحظة الفارقة إلى وضوح تام وحاد؛ حيث تزول حجب التغافل والغفلة التي نسجها الإنسان حول نفسه في حياته اليومية، وتتجلى الحقيقة المؤلمة التي طالما حاول الهرب منها أو التظاهر بأنها لا تعنيه ولا تلامس واقعه.

وفي مشهد آخر يوثق القرآن الحسرة الكبرى والرجاء اليائس حين تبلغ الروح الحلقوم: {حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ * لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُ} [المؤمنون: 99-100].

وهنا يقطع النص الإلهي الحاسم أي أمل في إمكانية تحقق هذه الأمنية بأي وسيلة أو طريق: {كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} [المؤمنون: 100]. فحين ينقضي الأجل وينغلق باب العمل، ينقطع السبيل ولا يجدي الندم أو الصوت نفعاً بعد فوات الأوان.

المبادرة الاستباقية: السبيل إلى الطمأنينة الخالدة تنطلق نصيحة الإمام الصادق (عليه السلام) كجرس إنذار استباقي يدعو الإنسان إلى استدراك أنفاسه المتبقية قبل أن تباغته المنية ويقع في شباك هذا الموقف العصيب.

إن الغاية الجوهرية من هذا الاستحضار الواعي هي المسارعة بالعمل الصالح وبذل الجهد الروحي والأخلاقي، حتى لا يواجه الإنسان مصيره بالهلع وطلب الرجوع، بل يستقبل النداء الإلهي الذي يُخاطب الفئة الفائزة برضا الله وسكينته: {يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ * ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ * فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي * وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27-30].

فالنفس التي تعيش تذكرة الموت كفرصة مستمرة للبناء والتصحيح هي وحدها المؤهلة للارتقاء من قلق الغفلة إلى مرتبة الاطمئنان الخالد.

الشيخ علي حسن

View all posts