يواجه الإنسان في حياته صوراً متعددة من الضغوطات النفسية والأزمات الوجودية التي تترك أثرها السلبي على صحة الجسد والعقل والروح على حد سواء. وفي خضمّ هذه التحديات، أرشد القرآن الكريم إلى دواءٍ روحي عظيم، وملاذٍ نفسي آمن، ألا وهو (تسبيح الله) جل وعلا. إن التسبيح ليس مجرد كلمات تقال، بل هو طاقة هائلة تمد النفس بالسكينة والقوة، وتغير نظرة الإنسان للأحداث من حوله.

ومضات قرآنية في ظلمات الأزمات: التسبيح كمنقذ ومغيّر للمصير

لقد جعل القرآن الكريم من التسبيح مفتاحاً للفرج في أشد اللحظات حرجاً، وشاهداً على حماية الله لأنبيائه وصفوته.

كليم الله موسى (ع) واستشعار العظمة

تتحدث الآيات عن النبي موسى (ع) في ظرف عصيب جداً، حين طلب من ربه الرؤية، فلما تجلى الله للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً. فلما أفاق من هول الموقف، كانت كلمته الأولى هي التسبيح، معلناً توبته وإيمانه: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]. لقد كان التسبيح هنا تعبيراً عن كمال الخضوع والاستشعار بعظمة الخالق وجلاله أمام هذا التجلي.

ذو النون يونس (ع) والنجاة من الغم

أي ظرف عصيب أشد من أن يبتلع الحوت نبياً من أنبياء الله، ويجد نفسه في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل؟ لقد فزع يونس (ع) إلى الله بتسبيح خالص، معترفاً بظلمه لنفسه، فكانت النجاة: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 87-88]. بل وتصرح الآيات بأن هذا التسبيح كان هو السبب الجوهري لتقرير مصيره وعدم بقائه في بطن الحوت إلى يوم القيامة: {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ ۝ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143-144].

زكريا (ع) وتأسيس منهج التسبيح

عندما تمنى زكريا (ع) الولد، وكان يعيش ظرفاً عصيباً نتيجة الخوف على مستقبل الرسالة من بعده، جاءته البشارة بيحيى (ع). وحين طلب آية، أمره الله بأن لا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً، وأن يكثر من ذكر ربه والتسبيح في أوقات مخصوصة: {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [آل عمران: 41]. ولم يكتفِ زكريا (ع) بذلك، بل إدراكاً منه لعظمة هذا الذكر وأثره، أوحى إلى قومه -وهم في محنة الموقف- أن يسبحوا بكرة وعشياً: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ان سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 10-11].

أصحاب الجنة: ندم بعد فوات الأوان

وفي قصة أصحاب الجنة الذين أُحرقت جنتهم بسبب بخلهم وطغيانهم، ندموا على ما فرطوا، وكان اللوم من أوسطهم على تركهم التسبيح وشكر النعمة: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ ۝ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [القلم: 28-29]. فالتسبيح يقود إلى الاعتراف بالحق والرجوع إليه، وتلافي الخسائر.

توجيهات للنبي (ص) والأمة: طاقة تسبيح مستمرة

لقد كان سيدنا محمد (ص) أحوج الناس إلى هذا البلسم الروحي في مواجهة الضغط النفسي الهائل في أجواء الدعوة والرسالة ومحاربة المشركين. وقد تعددت التوجيهات الإلهية له بالتسبيح في مختلف الأوقات:

  • في سورة طه، يأمره الله بالتسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وآناء الليل وأطراف النهار؛ ليجد في ذلك الرضا والسكينة: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130].
  • وفي سورة غافر، يربط التسبيح بالصبر والاستغفار في مواجهة تكذيب المكذبين: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [غافر: 55].
  • وفي أجواء غزوة الأحزاب، حيث بلغت القلوب الحناجر واشتدت التحديات، جاء التوجيه الإلهي للمؤمنين بذكر الله كثيراً وتسبيحه بكرة وأصيلاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب: 41-42].
  • بل جعل الله من غايات إرسال النبي (ص) أن يقوم المؤمنون بتعزيره وتوقيره وتسبيحه: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 8-9].

سر الطاقة العظيمة في التسبيح: تعظيم الخالق وصغر المخلوق

ما هذه الطاقة العظيمة التي يعطيها التسبيح؟ ومن أين تأتي؟ مع التأكيد على أنها ليست الخطوة الوحيدة التي تتخذ في المواقف العصيبة، ولكنها مفردة مميزة متكررة لا غنى عنها.

لربما يكمن السر في ما يرسخه هذا الذكر من تعظيم لله في النفس. فإذا عظم الله في النفس، صغر كل شيء في عين الإنسان سواه، وتضاءلت أمامه كل التحديات والمخاوف والضغوطات. وهذا هو المعنى الذي أشار إليه الإمام علي (ع) في وصف المتقين: “عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ”.

وعندما يعظم الله في النفس، يورث ذلك استقامة في الإيمان، وطمأنينة في النفس لا يزعزعها اضطراب الأحداث. إن استشعار عظمة الله يمد الإنسان بقوة من خلال الطمأنينة التي يعيشها، فليس في الوجود من يمكنه أن يعارض إرادة الله، ولا غالب لقدرة الله، ولا شيء يغيب عن علم الله، ولا معقب لحكمه.

وهذا التعظيم يحتاج إلى ترسيخ دائم في النفس، والتسبيح المستمر يقوم بهذه المهمة الحيوية والأساسية. ولذا وصف الله تعالى عباده المخلصين بأنهم: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا الله وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39].

ومن هنا نفهم سراً من أسرار التشريعات والأوراد العظيمة التي تزخر بها الشريعة:

  • نفهم سراً من أسرار استحباب تلاوة آية الكرسي للحفظ عند الخوف أو القلق من أمر، لما فيها من مفاهيم تتضمن عظمة الله وقدرته وقيوميته، فيعيش الإنسان الطمأنينة من خلال تلك المعاني.
  • ومن هنا أيضاً نفهم سراً من أسرار تسبيح الزهراء (ع)، حين يعيش الذاكر معاني هذا الذكر مكرراً، فتترسخ في وجوده وعقله وشعوره دلالات عظمة الله في التنزيه والتحميد والتكبير.
  • وهكذا نفهم السر في تخصيص التسبيح ذكراً في ركوع الصلاة وسجودها، ليكون الإنسان في قمة خضوعه أمام الله في قمة طمأنينته بتسبيحه.

إن التسبيح هو جسر العبور من ضيق الدنيا إلى سعة رحمة الله، وهو السلاح الأقوى في مواجهة الضغوطات النفسية، لأنه يربط القلب بمصدر القوة المطلقة، ويسكب فيه برداً وسلاماً من اليقين والطمأنينة.

الشيخ علي حسن

View all posts