مقدمة في مخاضات الحكم الأموي ووقعة الحرة
تُعدّ وقعة الحرة واحدة من أكثر المحطات دموية ووحشية في تاريخ حكم يزيد بن معاوية الذي لم يدم سوى قرابة ثلاث سنوات، وهي حدث جلل يتطلب منا وقفة متأنية وتوضيحاً عميقاً وتحليلاً دقيقاً لموقف الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) منها. ويزيد هذا الحدث أهمية لما تكشفه تفاصيله عن تحولات كبرى في بنية المجتمع الإسلامي آنذاك.
شرارة الثورة وأسباب خلع يزيد في المدينة
نتيجة للشكاوى المتكررة من أبناء المدينة ضد واليها، قام يزيد بتعيين ابن عمه الشاب عثمان بن محمد بن أبي سفيان والياً جديداً عليها. وحين استمع الوالي الجديد إلى شكاوى الناس، اقترح عليهم إرسال وفد رفيع إلى الشام للقاء يزيد مباشرة والوقوف على حقيقة أمره، وتم ذلك بالفعل في نهايات سنة اثنتين وستين للهجرة، وكان على رأس هذا الوفد الشخصية الصحابية البارزة عبد الله بن حنظلة الأنصاري.
لكن نتيجة اللقاء جاءت سلبية لأقصى درجات الانصدم والانفجار؛ إذ عاد الوفد ليقول للمجتمعين بصراحة مطلقة: “إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمرة، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخُرّاب -أي اللصوص- والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه”. وهنا يقف المحلل متأملاً: إن كان هذا هو المعيار الأساسي عند القوم في نقض البيعة وخلع يزيد، فهو دليل ساطع على ضياع المعايير الحقيقية وانقلاب هرم الأولويات لديهم، حيث لم تكن جريمة يزيد الكبرى في كربلاء، وما رافقها من ظلم صارخ وعبث بالدين وإفساد في الأرض، هي المعيار والمحك، بل اقتصر الأمر على استنكار فساده الشخصي البحت! وهذا الجانب نفسه هو جزء مما كان يتحدث عنه الإمام الحسين (ع) مطولاً حول الانقلاب الحضاري الخطير الذي ضرب جذور الأمة.
إعلان الخلع وتداعيات الإجراءات الميدانية
على أثر ذلك، أعلن أعضاء الوفد إبطال بيعتهم ليزيد وصاروا أحراراً في إعلان الثورة الشاملة عليه، فتبعهم أهل المدينة واجتمعوا حاشدين في المسجد النبوي عند المنبر الشريف، وجعل الرجل منهم يقول: “قد خلعتُ يزيد كما خلعت عمامتي هذه”، ويلقيها عن رأسه، ويقول الآخر: “قد خلعتُه كما خلعتُ نعلي هذه”، حتى تكوم وتجمع شيء كثير من العمائم والنعال هناك في مشهد تعبيري صارخ عن التمرد والرفض.
وأعقب ذلك اتخاذ إجراءات ميدانية حاسمة تمثلت في مبايعة عبد الله بن حنظلة قائداً للثورة، وقيل بل عُيِّن والياً عليها من قبل عبد الله بن الزبير، فضلاً عن طرد الوالي الأموي ومحاصرة بني أمية في المدينة بعد تحصنهم المشدد في بيت مروان بن الحكم، وكان عددهم ألفاً.
قراءة في الموقف الصامت: لماذا اعتزل السجاد (ع) الثورة؟
في خضم هذا الصخب العارم، يبرز الموقف التاريخي الملاحظ بقوة؛ وهو أن الإمام زين العابدين (ع) لم يشارك في هذه الأحداث مطلقاً، ولم يصدر عنه أي فعل يدل على تأييده لتلك الثورة أو حتى اتخاذه موقفاً سلبياً معادياً لها. وقد تعددت المحاولات التفسيرية لتعليل هذا الموقف الحكيم، ويصح بعضها إلى حد كبير:
أولاً، كان موقف عبد الله بن الزبير -الذي كانت الثورة تحط في رحابه أو ترتبط بعباءته- سيئاً للغاية تجاه أهل البيت (ع)، ولم يكن أفضل حالاً من الأمويين في سياساته وغايات ثورته؛ إذ كانت أحداث المدينة تجري بأمره أو بمباركة منه، فلو شارك السجاد (ع) فيها لكان ذلك بمثابة إضفاء شرعية سياسية على حركته، وهو ما لم يكن الإمام يريده بحال من الأحوال.
ثانياً، لم يكن موقف أهل المدينة أنفسهم -ولا سيما بعد عودة الإمام زين العابدين المفجوعة من كربلاء- إيجابياً ومخلصاً، حتى روي في شرح نهج البلاغة تعبير بليغ يقول: “ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا”. فكيف يُعقل للإمام أن يشارك جماعة هذا حالها في أمر تتضح عواقبه الوخيمة منذ البداية؟
ثالثاً، إن الإمام (ع) لم يكن قد بايع يزيد من الأساس كي يُطالب بخلعه؛ فالحسين (ع) ومن خرج معه إلى العراق لم يعترفوا ببيعة يزيد يوماً، فلماذا يدخل الإمام في معترك خلع بيعة لم يرتضها قلباً وقالباً؟
رابعاً، كان الإمام -من خلال بصيرته النافذة ومعرفته العميقة بسلوكيات يزيد وجرأته البالغة على محارم الله وشخصيته الدموية العاتية- يستشرف بوضوح تام أن هذه الثورة مجرد مغامرة غير محسوبة ستجرّ كارثة محققة على أهل المدينة، وقد تؤدي المواجهة الدامية إلى استئصال وقتل كل من تبقّى من البيت العلوي. وحفظُ بقية النبوة وحملة رسالة النبي (ص) أولى بمراحل من الدخول في ثورة محكوم عليها بالفشل والقضاء المبرم؛ فالنضال والثورة ليست غاية بحد ذاتها بل هي وسيلة لتصحيح الأوضاع، فإن كانت ستؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، فما مبرر المشاركة فيها؟
خامساً، إن الأئمة من أهل البيت (ع) -منذ فاجعة استشهاد الحسين (ع)- اتخذوا منهجاً موصوداً وصارماً بعدم قيادة أي حركات ثورية عسكرية أو المشاركة فيها؛ فلا هم يملكون الإمكانات المادية لإنجاحها، ولا الجمهور سيفي بعهوده ووعوده بالتأييد والنصرة، ويكفيهم ما جرى في كربلاء من غدر وخذلان. وهناك تفسيرات أخرى، لكن في هذا القدر كفاية للتدبر والاعتبار.
الجيش الأموي المغير وموقف الإمام الإنساني
حين بلغ أمر التمرد يزيد، جهز جيشاً جراراً وعرمرماً بقيادة المسرف مسلم بن عقبة، وأوصاه بوصاية قاسية نقلها ابن كثير في تاريخه بقوله: “ادعُ القومَ ثلاثاً، فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منهم وكف عنهم، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا ظهرت عليهم، فأبح المدينة ثلاثاً ثم اكفف عن الناس”. وحين استعلم يزيد عن موقف الإمام زين العابدين تحديداً قال بحرص: “وانظر إلى عليِّ بن الحسين، فاكفُف عنه واستوص به خيراً، وأدنِ مجلسَه، فإن لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه”.
أما عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فقد كان حاضراً عند يزيد وحاول جاهداً أن يثنيه عن هذه المجزرة ويسثنيهم، ولكنه فشل تماماً. وفي المقابل، كان محمد بن الحنفية في المدينة معارضاً علناً وصريحاً لإبطال بيعة يزيد وإعلان تلك الثورة غير المدروسة.
وبوصول الجيش الأموي الغاشم إلى مشارف المدينة، تلقّاهم بنو أمية الهاربون وأخبروهم بدقائق الأوضاع، وبحث مروان بن الحكم الأموي عمّن يجير نساء بني أمية خوفاً عليهن من بطش الأحداث القادمة وانتقام الثائرين. ولم يجد مروان استجابة ولا قبولاً إلا من قلب الإمام الرحيم زين العابدين (ع)، الذي ضمّ نساءهم إلى عياله وجعلهن في كنف حمايته الكاملة، وأرسل بهن آمّنات إلى «ينبع» -وهي مجموعة القرى التي أقامها الإمام علي (ع) وجعل بعضها أوقافاً لأهل بيته وبعضها الآخر للفقراء والمحتاجين والحجاج-. وكل هذه المواقف النبيلة تركت أثراً بالغاً وعميقاً في تحييد الجيش الأموي ومنع تعرضهم للإمام (ع) بسوء.
مأساة الحرة واستباحة مدينة الرسول (ص)
يصف ابن كثير الواقعة المروعة بقوله: “ثم أباح مسلم بن عقبة -الذي يقول فيه السلف: مسرف بن عقبة، قبحه الله- المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد لا جزاه الله خيراً، وقتل خلقاً من أشرافها وقرائها، وانتهب أموالاً كثيرة منها، ووقع شر عظيم وفساد عريض… ووقعوا على النساء حتى قيله: إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج… وكانت الوقعة للاثنتين بقين أو لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين”.
ثم اقتيد الناس قسراً إما للقتل صبراً، أو لمبايعة يزيد صاغرين. يقول ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري شرح صحيح البخاري): “وبايع مسلم الناس على أنهم خول ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم بما شاء”. وفي وسط هذا الدمار المريع، تدخّل الإمام زين العابدين (ع) بحكمته وشجاعته النادرة -حيث استطاع- فاستشفع لعدد كبير ممن جيء بهم للقتل صبراً، ونجح في إنقاذهم من الموت المحتوم.
الخاتمة: ثمار الحكمة العلوية في حفظ الوديعة النبوية
هكذا انتهت وقعة الحُرَّة بكل تفاصيلها الدامية وأحداثها المؤلمة، وقد قُتل فيها المئات، بينهم صحابة أجلاء من أصحاب النبي (ص) وقرّاء للقرآن وفقهاء وعامة من الناس، وانتُهكت الأعراض، وسُلبت الأموال، واستُبيحت مدينة رسول الله (ص) ثلاثة أيام كاملة لأوباش بني أمية وجنودهم.
ومع هذا السواد الأعظم، كان للموقف الحكيم المتزن والرؤية الإستراتيجية العميقة التي تبناها الإمام زين العابدين (ع) أثرُه البالغ والمنقذ في الحفاظ على من تبقى على قيد الحياة من عترة أهل بيت النبوة بعد فاجعة كربلاء، ليتمكنوا من إكمال حمل الأمانة الرسالية الكبرى للنبي الأكرم (ص) في أمته، بعد أن أودع الله فيهم الثقلين، ضماناً لبقاء جذوة الهداية مشتعلة في وجه طغيان الزمان.

