ما علاقة الذكاء الاصطناعي باللغة؟
يُعدّ النموّ والتجدّد المستمر من أظهر سنن الحياة في الكائنات؛ إذ تندثر أنسجة وخلايا لتقوم مقامها أخرى جديدة، ومتى ما توقفت هذه الدورة الحيوية أذن ذلك بزوال الكائن وموته. ولا تشذّ اللغات الحية عن هذا القانون التكويني؛ فهي كائنات فكرية واجتماعية تنمو، وتتطور، وتتجدد مفرداتها وأساليبها باستمرار، ومتى ما أصابها الجمود وانقطع عنها التداول عُدّت لغات بائدة وميتة، كما هو شأن اللغة السومرية التي غابت عن ألسنة المتكلمين منذ عشرات القرون.
وتشير الإحصاءات المعاصرة إلى واقع لغوي يلفّه الخطر؛ إذ يُقدّر عدد اللغات المحكية في العالم بنحو سبعة آلاف لغة تواجه خطر الاندثار، وقد ذهبت بعض الدراسات المتخصصة منذ عقود إلى توقع انقراض ما يقارب تسعين في المئة من اللغات المستخدمة بحلول منتصف القرن الحادي والعشرين. وشواهد ذلك ماثلة في التاريخ الحديث، ومنها لغة (إياك) التي كانت تتحدث بها إحدى قبائل ألاسكا، وانقرضت بموت آخر متحدثة بها، السيدة ماري سميث جون، عام 2008م.
عبقرية العربية وحصانتها القرآنية
في خضم هذا التراجع اللغوي العالمي، تقف اللغة العربية نموذجاً فريداً للغة الحية الوثّابة، وهو ما دعا المفكر اللبناني جرجي زيدان قبل أكثر من قرن إلى تأليف كتابه الشهير (اللغة العربية كائن حي)، مبرزاً قدرتها الفائقة على التوليد والنمو ومواكبة العصور؛ حتى غدا يسيراً على أهل الصنعة التمييز بين النص الحديث والنص المكتوب قبل مئة عام، دلالة على مرونتها وحيويتها.
وقد مثّل القرآن الكريم الصخرة التي استند إليها هذا البقاء، والسر الأعظم في خلود لغة الضاد وحيويتها: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]. ولم يقتصر حفظ القرآن للعربية على صيانة ألفاظها فحسب، بل مدّ أفقها جغرافياً وإنسانياً ليتجاوز الإطار العرقي؛ فأقبل على تعلمها المسلمون من فرس، وترك، وصينيين، وإنجليز، وغيرهم، فتلوْا بها آيات الذكر الحكيم، واقتبسوا من مفرداتها ما أثرى لغاتهم الأم وأعاد صياغتها. وتبرز الفارسية مثالاً واضحاً على ذلك التأثير؛ إذ يذكر الدارسون أن الشاعر الفردوسي حين نظم ملحمته التاريخية (الشاهنامه) في القرن الرابع الهجري متكلفاً اجتناب الألفاظ العربية، تبيّن لاحقاً اشتمال نظمه على قرابة ثلاثمئة مفردة عربية جرت على لسانه تلقائياً دون انفكاك عن التأثير القرآني.
تجدد اللغة ومخاطر النمذجة الآلية
يطرح هذا المسار سؤالاً منهجياً جوهرياً: هل كل تجدد يطرأ على ألسنة المتكلمين يخدم جوهر اللغة وأصالتها؟
كشفت دراسة حديثة أعدها معهد (ماكس بلانك لتنمية الإنسان) في برلين عن تحول لغوي مفصلي وغير مسبوق؛ حيث أظهر تحليل واسع لبيانات ضخمة شملت نحو ثلاثمئة وستين ألف مقطع مرئي أكاديمي وأكثر من سبعمئة وسبعين ألف حلقة بودكاست، مقارنةً بالاستخدامات التي سبقت إطلاق منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي كمنصة (ChatGPT) وما بعدها، وجود تحول لافت في أساليب البشر. فقد رصد الباحثون صعوداً حاداً في اعتماد مفردات وتراكيب معينة تفضلها هذه النماذج الآلية، بل ارتفع توظيف بعض المفردات بنسبة بلغت ثمانية وأربعين في المئة عما كان عليه الحوار اليومي العفوي، وامتد هذا النمط ليطال بنية الجمل في المحادثات الاعتيادية.
إن خطورة هذا التحول تكمن في كونه يؤسس لمرحلة جديدة يُحاكي فيها الإنسان نمط الآلة، بحيث غدا الذكاء الاصطناعي مرجعية صامتة تؤثر في السلوك الثقافي واللساني؛ ومثل هذا الاعتماد المفرط والنمطي كفيل بتهديد الأصالة، وإضعاف التلقائية، وتآكل الخصوصية البيانية التي طالما ميزت التواصل الإنساني الحي والنابض بالمعنى.
انزياح المصطلحات وتزييف المفاهيم العقدية
لا يقف خطر التحول الأسلوبي واللفظي عند حدود البلاغة أو التداول الثقافي، بل يمتد أثره البالغ إلى المنظومة الدينية والأطر المفاهيمية للشريعة؛ ولعل أدلّ شاهد على ذلك هو استبدال مصطلح (العقيدة) بمصطلح (الإيمان) في الأدبيات المتأخرة. فالقرآن الكريم والسنّة الشريفة لم يردا بمفردة “عقيدة”، بل أسسا لمفهوم “الإيمان” الذي ضُبطت أركانه ومعالمه بدقة ونصوص جلية، تجعل من تحقق بها ونطق بها مستحقاً لاسم الإيمان وحرمته، دون سبيل لتكفيره أو استباحة حماه.
أما لفظ (العقيدة) بمفهومه المتداول المتأخر، فقد استحال مصطلحاً مطاطاً حمّال أوجه، اتسع ليشمل فروعاً وتفريعات اجتهادية لا تمس جوهر التوحيد، مما مهّد السبيل لتوسيع دائرة التكفير وإقصاء المخالفين في أدق المسائل الفقهية أو الجزئية؛ حتى قيل تعنتاً: إن من لا يرى المسح على الخفين يكاد أن يكون خارجاً عن الملة. هكذا يظهر كيف يؤدي تبدل المفردات أو انحرافها عن دلالاتها الشرعية التأسيسية إلى تيه المفاهيم وضياع المعالم الأصلية للإسلام كما وقع في فترات مبكرة من التاريخ الإسلامي.
إن اللغة وعاء الفكر، ومستقر الهوية، وجسر التواصل الروحي والفكري؛ واستسلام المجتمعات لنمطية لغوية جافة تصوغها خوارزميات صامتة قد يفقد الإنسان فرادته البيانية واستقلاله الذهني. وإذا كانت اللغات كائنات نامية تحيا بالتجدد، فإن هذا التجدد لا يسير دوماً في اتجاه النماء الإيجابي، بل قد يحمل عوامل التآكل؛ وهو ما يفرض على أهل الفكر وعلماء الشريعة دوام الرصد والتمحيص، دفاعاً عن النقاء المعرفي، وحفظاً للأصالة الدينية والهوية اللغوية من التبعية والتسطيح.
