قال تعالى في محكم كتابه العزيز: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213].

مفهوم الأمة الواحدة في مستهل المسيرة الإنسانية

تتحدث الآية الشريفة عن حقيقة تاريخية واجتماعية مفادها أن البشرية في بدايات تشكلها الأول كانت تعيش نمطاً من الوحدة والانسجام، وقد عبّر التنزيل عن ذلك بأنهم كانوا أمة واحدة.
والأمة في الدلالة القرآنية واللغوية ليست مجرد حشد عشوائي أو تجمع عددي للبشر، بل هي جماعة مؤطرة برابط معين، يجمعها اتجاه مشترك، أو صبغة فكرية واحدة، أو غاية موحدة تحكم حركتها. وهذا التوصيف يثبت قيام حالة من التوافق والاتفاق بينهم في ذلك الطور التأسيسي من تاريخ الاجتماع الإنساني.

طروء الاختلاف وضرورة المرجعية التشريعية للأنبياء

ثم تنتقل الآية الكريمة لتبين تحولاً جوهرياً طرأ على تلك الجماعة؛ إذ دبّ الخلاف ونشأ النزاع بين أفرادها مع امتداد الزمن وتشابك المصالح. وهنا اقتضت الحكمة والرحمة الإلهية تدخل السماء لإنقاذ المسيرة البشرية وضبط توازنها، فبعث الله الأنبياء والمرسلين يحملون التبشير بالثواب والإنذار من العقاب، وأيّدهم بالكتب السماوية المتضمنة للحق لتكون الميزان والفيصل العادل الذي يحكم بين الناس فيما شجر بينهم من خلافات في الحقوق والواجبات.

مفارقة النزاع الثاني ودوافع البغي والعدوان

ولكن، هل استقر الناس على الوفاق والتسليم بعد نزول الوحي ووضوح الأحكام؟
تكشف الآية عن مفارقة مؤلمة؛ إذ وقع اختلاف آخر ونزاع جديد بين ذات الأقوام الذين بُعث فيهم الأنبياء وأُوتوا الكتاب. ولم يكن منشأ هذا النزاع الثاني عائداً إلى قصور في إقامة الحجة، أو التباس في معالم الحق، أو غموض في التعاليم المنزلة، بل كان دافعه المباشر هو البغي والظلم والحسد والتنافس على حطام الدنيا من قِبل الناس أنفسهم، بعد أن تبينت لهم البينات واستحكمت عليهم الدلائل.

جوهر الوفاق البدائي: بين الفطرة والتساؤل المعرفي

وهنا ينبثق التساؤل المنهجي العميق: ما الذي كان الناس متفقين عليه ومجتمعين حوله في تلك المرحلة الأولى قبل طروء الخلاف؟ هل كانوا متحدين على الهدى والتوحيد الخالص، أم على الجهل والضلال، أم أن وحدتهم كانت قائمة على بساطة الفطرة الساذجة والحياة البدائية قبل تعقد العلاقات والمصالح؟
تعدد آراء المفسرين حول حال البشرية الأولى

الرأي الأول يرى أن الناس كانوا أمة واحدة على الهداية، مؤمنين عاملين للصالحات يعرفون أمور الدين، ثم بعث الله النبيين وأنزل الكتاب، ثم اختلفوا بغيًا بينهم، وكان البغي من حملة الكتاب. المشكلة التي تواجه هذا الرأي أن الآية وكأنها تقول إن الناس كانوا بخير إلى أن بعث الله النبيين وأنزل الكتاب فبدأت المشاكل والنزاعات، ولذا قد يقول قائل: ألم يكن من الأنسب لو لم يبعثهم ولم ينزله؟
الرأي الثاني يذهب إلى أن الناس كانوا أمة واحدة على الضلالة، مشركين ومفسدين في الأرض، فبعث الله النبيين وأنزل الكتاب لهدايتهم وإصلاحهم. وقريب من ذلك قول الماديين والمتأثرين بهم بأن الأصل في البشرية هو الشرك نتيجة الخوف من الظواهر الطبيعية والتطلع لجلب المنفعة، فاختلقوا الآلهة ثم تطوروا إلى التوحيد. المشكلة التي تواجه هذا التفسير تكمن في عدة أمور، من بينها أن هذا مخالف للفطرة التوحيدية التي تحدث عنها القرآن في آية الذر وغيرها.
الرأي الثالث يعتبر أن المراد بالناس بنو إسرائيل، حيث إن الله يذكر أنهم اختلفوا في الكتاب بغياً بينهم. المشكلة التي تواجه هذا التفسير أن الآية مطلقة ولا دليل على أنها تقصد قوماً محددين، لا بني إسرائيل ولا غيرهم.
الرأي الرابع يطرح أن المراد بالناس في الآية هو آدم عليه السلام، والمعنى أن آدم عليه السلام كان أمة واحدة على الهداية ثم اختلفت ذريته فبعث الله النبيين. المشكلة التي تواجه هذا التفسير أنه خلاف ظاهر الآية حيث تتحدث عن الناس في صيغة الجمع لا عن فرد بعينه.

الرأي الأقرب للصواب: مرحلة الفطرة البسيطة

الرأي الخامس والأقرب للصحة هو أن الناس كانوا على فطرتهم الأولى البسيطة، يعيشون حياة بلا تعقيدات، وهي حالة أقرب إلى الحياة البدائية الساذجة ولكن أرقى منها قليلاً. ولتقريب الصورة فلنلاحظ قطيع الغنم، سنجدهم منشغلين بالاهتداء لما اهتدى إليه بعضهم من طعام أو شراب، ثم يأوون إلى مأوى واحد، وحتى لو وقع بينهم نزاع ما، كان عفوياً وعابراً. فهؤلاء الناس الأوائل لم يكونوا يملكون هداية كاملة وتفصيلية، ولا ضلالة كاملة وشركية، بل كانت أفكارهم واهتماماتهم تنصب على البقاء على قيد الحياة بتدبير أمر الطعام والشراب والمأوى ووسائل الدفاع بالأدوات البدائية. وعليه لم يكن بينهم اختلاف في الأفكار والآراء والمتبنيات الدينية.
ومع ازدياد علم الأفراد وأسباب قوتهم وتفاوت مستوياتهم وتعارض مصالحهم، ظهر الاختلاف فيما بينهم، ووظف القوي منهم قوته، والعالم علمه، وغير ذلك من الوسائل لكي يحقق مصلحته على حساب الآخرين ولو بالظلم. وهذا أدى بالتبع إلى توظيف أفكار مبتدعة ذات بعد ديني من أجل تحقيق الغرض، فبدأت التصورات الدينية تتعقد وتخرج عن الفطرة الأولى. وهنا، بعث الله الأنبياء بالتبشير والإنذار، وإنزال الكتاب الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وتنازعوا حوله.
يؤيد ذلك ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله، لا مهتدين ولا ضلالاً، فبعث الله النبيين. وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام لما بيّن أن الآية تتحدث عن الزمن السابق لنوح، سأله الراوي: أعلى هدى كانوا أم على ضلالة؟ قال: بل كانوا ضلالاً، كانوا لا مؤمنين ولا كافرين ولا مشركين. فالضلال هنا ليس بمعنى الضلال الانحرافي الوارد في الرأي الثاني، بل بمعنى عدم امتلاك المعرفة لا الانحراف عن الحق، كما قال تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) أي لم تكن تملك تفاصيل ذلك، وقد يكون هذا هو معنى (ووجدك ضالاً فهدى).

رسائل الآية الكريمة والدروس المستفادة

الرسالة الأولى تبين أن الناس بفطرتهم وطبعهم أمة مدنية، لا غنى لهم عن الاجتماع، وحيث إن الاجتماع يؤدي إلى الاختلاف والتنازع ولو بعد حين، لذا فمن المهم العمل على تهيئة الوسائل التي من شأنها نزع فتيل هذه النزاعات أو تخفيف حدتها ومعالجة آثارها. ففي الاجتماع قوة، وفي الاختلاف والتنازع ضعف. وهذا المبدأ ينطبق على الزوجين والأبناء في البيت الواحد، وينطبق على بيئات العمل، كما ينطبق على الأوطان.
الرسالة الثانية تظهر رحمة الله بعباده، إذ لم يترك الناس ليواجهوا تعقيدات الحياة بأنفسهم، بل بعث الأنبياء وأنزل الكتاب ليكون وسيلة من وسائل إعانتهم على معالجة الاختلافات. ففي الدين السماوي من الأحكام والتشريعات والوصايا والحكمة ما يساعد الناس في هذا الإطار. ولذا نقول إن الرسالات الإلهية لم تنزل لتعرف الناس شؤون العبادة فحسب، بل نزلت لتكون هادية في الأمور الحياتية، وحكماً في ما اختلف فيه الناس من أمور الحياة على المستوى الفردي والعام، سواء كان اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو غير ذلك. وهذا يدحض الفكرة القائلة بأن الدين علاقة شخصية بين العبد وربه تنحصر في مكان العبادة ولا علاقة لها بحياة الناس العامة.
الرسالة الثالثة توضح أنه لم يستفد كل الناس من هذه الرحمة والهداية الإلهية، بل بغى بعضهم واهتدى آخرون. فالمشكلة التي واجهت هذا الحق تكمن في نقاط الضعف الإنساني كالحسد والحقد وسوء السريرة وحب الدنيا، وبتعبير الآية: (بغياً بينهم). فالبغي هو أساس الاختلاف، وهذه الخلافات حالة مرضية وليست حالة صحية. وقد دفعهم البغي للعمل على تغطية الحقيقة وتشويش المعنى الصحيح، فبدأ الاختلاف في الحق الذي جاء به النبيون والكتاب.

أسباب استمرار الخلافات والنزاعات

أخيراً نقول إن استمرار الخلافات والنزاعات في البيت الواحد والمجتمع الواحد يرجع في كثير من الأحيان إلى ابتعاد الناس عن الأخذ بأسباب الهداية، والتزامهم موقف التزمت والتعصب في ما يعتقدون، وعدم إقبالهم على أجواء الحوار بحثاً عن الحق. هذا التعصب يمثل حاجزاً نفسياً ضد الالتقاء بالحق، لأن للحق دلائل وعلامات لا بد للإنسان من أن يذعن لها إذا التقى بها أو بحث عنها في الطريق.
ولا يمكن للإنسان أن يدعي عدم التمكن من الوصول إلى الحق متذرعاً بفقدان الوسائل، بل لا بد له من أن يبحث عن سبب ذلك في تجميده لطاقاته عن الحركة، وفي إغفال وعيه عن البحث والدخول في مجالات الحوار. فقد تكفل الله سبحانه بهداية الذين يتحركون في طريق الهداية ويسعون إليها من خلال وسائلها الطبيعية.

الشيخ علي حسن

View all posts