قال تعالى في محكم كتابه العزيز: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].
صور التحريف والتزوير في التاريخ اليهودي
مارس اليهود على امتداد تاريخهم صوراً متعددة ومتعمدة من التزوير، والتحريف، والتلاعب في الحقائق، إما تحقيقاً لمصالح شخصية وفئوية ضيقة، أو بهدف محاربة الأنبياء والمرسلين كالسيد المسيح عليه السلام والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، أو لأن مضامين الرسالات الإلهية تعارضت مع أهوائهم وشهواتهم، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87].
وقد تمثلت إحدى أبرز وأخطر تلك الأساليب في اختلاق النصوص وكتابتها بأيديهم، ثم نسبتها زوراً وبهتاناً إلى الله تعالى.
بواعث التزوير وغاياته المادية والسلطوية
لم تكن عمليات التحريف والتزوير عبثية، بل انطلقت من دوافع مشبوهة وثوامِع دنيوية رخيصة، تمثلت في:
- السعي وراء التكسب المالي والمادي واستغلال الدين لتحصيل الأموال.
- إرضاء أصحاب السلطة والسطوة والجاه في المجتمع على حساب المبادئ.
- استرضاء عامة اليهود بتغيير أحكام الدين بما يوافق أهواءهم ومزاجهم العام.
- انتحال رداء العلم والتقدم للرئاسة والشهرة من قِبل الجاهلين الذين لا يحملون من العلم حقيقةً سوى الأماني والظنون: {وَمِنْهُمْ أُمِّيِّون لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78].
ولا ريب في أن هذه الأنماط المنحرفة تكررت للأسف في الوسط الإسلامي أيضاً عبر التاريخ، وبأبشع الصور وأوضحها؛ فقد شاهدنا في السنوات الماضية كيف استُخدم الدين وزوريت المفاهيم لتبرير عمليات التطبيع الخياني، وفي الأشهر الأخيرة بعد طوفان الأقصى لتبرير خذلان المقاومة، بل وحتى التواطؤ ومساعدة العدو الصهيوني. فمتى ما اقتضت مصالح المنتفعين، جيّشوا الناس باسم الجهاد ومنّوهم بالجنة وحور العين، ومتى ما أُمِروا بالتخذيل والتواطؤ خذلوا الأمة بألف مبرر ومبرر.
شهادة السيد المسيح على تلاعب الحاخامات بالنصوص
لقد كشف السيد المسيح عليه السلام مبكراً تزوير اليهود وتحريفهم لأحكام التوراة التي يدعون تقديسها؛ ففي شريعة التوراة ورد النص الصريح بوجوب إكرام الوالدين والتشديد في عقوبة شتمهما أو إهانتهما، كما في سفر الخروج: {أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ} و {وَمَنْ شَتَمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلًا}.
لكنهم تلاعبوا بهذا الحكم العقابي المقرَّر بحيث بات بإمكان أحدهم أن يشتم والديه أو يهينهما، ثم يتحايل بتقديم قربان مالي لرجل الدين (شاش أو غيره) لتسقط عنه المسؤولية! وقد وبّخ المسيح عليه السلام صنيعهم هذا كما أورد إنجيل متى في الإصحاح الخامس عشر حين خاطبهم بالقول: {فَإِنَّ اللهَ أَوْصَى قَائِلًا: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ… وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي… فَلَا يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ.. فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ!}.
حيل الاحتكار المعرفي وتقديم آراء الحاخامات على النصوص
كيف نجح أحبار اليهود في إقناع الناس بهذا التحريف مع وضوح النصوص الصريحة؟ تم ذلك عبر حيلتين أساسيتين:
- الحيلة الأولى: احتكار نسخ التوراة وتلاوتها وتفسيرها في ضيق فئة رجال الدين وحدهم، فأظهروا ما توافق مع مصالحهم وأخفوا ما عداه، كما يقرر القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا…} [البقرة: 174-175]. ولم تكن علاقة العامة بالتوراة مصانة كعلاقة المسلمين بالقرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه وتداوله بين الأجيال.
- الحيلة الثانية: ترسيخ عقيدة أن كلام الحاخامات وفتاواهم مقدمة على ظاهر التوراة، بحجة امتلاكهم “التوراة الشفهية” والتعاليم المنقولة عن موسى عليه السلام، مما جعل الناس يذعنون لتقاليدهم الباطلة على حساب وصايا الله.
مثال قرآني آخر: التلاعب بأحكام الربا وتمييز غير اليهود
وكما كشف المسيح تحريفاتهم، فضحت الآيات القرآنية تلاعبهم في أحكام الله، ومنها حكم الربا؛ فقد حرمه الله عليهم مطلقاً دون تمييز بين يهودي وغيره، كما ورد في سفر حزقيال في وصف الإنسان البار الذي لا يظلم أحداً ولا يعطي بالربا ولا يأخذ مرابحة. وهو ما أكده القرآن الكريم في بيانه لعلة تحريم الطيبات عليهم: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 160-161].
غير أنهم حرفوا نص التوراة في سفر التثنية ليتيحوا الربا لغير اليهودي ويحرموه على أخيهم اليهودي. وقد كشف القرآن هذا المسلك الماكر القائم على التفريق الاستعلائي القائل: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75]، ليرد عليهم التشريع الإلهي بحقيقة التقوى والوفاء بالعهد.
تزوير التاريخ والآثار: النموذج المعاصر لزئيف إيرلتش
إن منهج التزوير والجرأة بالكذب على الله وفي التاريخ والتشريعات لم يتوقف؛ ومثال ذلك ما شهدناه مؤخراً من مصير الهالك (الباحث الآثاري) الإسرائيلي المزيف “زئيف إيرلتش” وإصابة مرافقه رئيس أركان لواء غولاني وغيره من الضباط، على يد بطلين من رجال المقاومة اللبنانية البطلة إثر تسللهم إلى مواقع أثرية في الأراضي اللبنانية المحتلة.
لقد سعى إيرلتش لرفد سجل الأكاذيب الصهيونية باختلاق تاريخ مزيف يدعي ملكية الكيان الغاصب لكل فلسطين والجنوب اللبناني، محتمياً بالقوة العسكرية في عمليات “سرقة تاريخية” مفضوحة. فجاءت رصاصات المقاومين لتعلن بوضوح قاطع: لا للاحتلال، ولا لتزوير التاريخ، وكل من يتجرأ على طمس الحقائق لن يكون مصيره بأفضل من مصير زئيف.
وها هو العدو المعتدي يندحر صاغراً ويرضخ لوقف العدوان مرغماً بعد غطرسة واستكبار، والحمد لله رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين والمقاومين، وفرّج عن أهل غزة والمظلومين، وامنن على المصابين بالشفاء العاجل، وعلى المكلومين بالصبر والفرج وعظيم الأجر، وعلى النازحين بكريم العودة إلى ديارهم، إله الحق آمين.. ولا تنسوا حاجات إخوانكم في غزة ولبنان في هذه الظروف العصيبة.
