قال تعالى في محكم كتابه العزيز: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96].

التقديس التاريخي للكعبة المشرفة قبل الإسلام

منذ أن رفع إبراهيم الخليل عليه السلام القواعد من البيت الحرام، صارت للكعبة المشرفة مكانة خاصة، وحرمة عظيمة، وهيبة متجذرة في نفوس الأمم داخل الجزيرة العربية وخارجها.

وفي هذا السياق، يوضح العلامة الطباطبائي في تفسيره “الميزان” أن الكعبة كانت مقدسة معظمة عند الأمم المختلفة؛ فالفرس مثلاً كانوا يحترمونها زاعمين أن روح “هُرمز” إله الخير قد حلّت فيها، وربما حجّ إليها زوارهم. والمفكر المصري محمود عباس العقاد يذكر في كتابه “إبراهيم أبو الأنبياء” أن المشهور عن الصابئة هو توقيرهم البالغ للكعبة في مكة. كما نقل الأزرقي في “أخبار مكة” عن وجود صور لإبراهيم خليل الرحمن وعيسى بن مريم وأمه عليها السلام داخل الكعبة، وهي الصور التي أمر النبي صلى الله عليه وآله بطمسها يوم فتح مكة، وهو ما استدل به العلامة الطباطبائي على تقديس النصارى الأوائل للبيت الحرام.

ولم تكن العرب في الجاهلية بمعزل عن هذا التعظيم؛ بل كانوا يجلون الكعبة ويخافون الإساءة إليها، وكل من تجرأ عليها بطغيان وإفساد كان يعاقب أشد العقاب، كما حدث لقبيلة جرهم حين طغت وأساءت إلى الحرم فُأقصيت عن مكة بالقوة وتولّت خزاعة أمرها.

حماية البيت الحرام من طغيان المعتدين عبر العصور

استقطبت الكعبة الحجاج والمعتمرين من كل فج عميق استجابة للدعوة الإليهة: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 26-27].

وهذا الموقع الرفيع دفع بعض الطغاة على مر التاريخ لمحاولة هدمه حسداً وبغياً؛ فقد أورد الأزرقي أن خزاعة قاتلت عن البيت حين أراد بعض التبابعة هدمه فرجعوا خائبين. ثم جاء أبرهة الحبشي بساق جيش جرار والفيلة من أفريقيا لهدم الكعبة، فلما عجز أهل مكة عن مواجهة هذه القوة الضاربة، تولى المدد الإلهي حماية البيت، ونزل القران الكريم مسجلاً تلك النهاية المرعبة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 1-5].

وحين هدمت السيول أجزاء من الكعبة قبل البعثة النبوية، حرصت قريش على إعادة بنائها بمال طيب خالص مكتسب بعيداً عن قطيعة الرحم والحرام، وشاءت الأقدار أن يحل النبي صلى الله عليه وآله نزاعهم في وضع الحجر الأسود بذكائه وحكمته.

الانتهاكات الأموية للبيت الحرام وجريمة الرمي بالمنجنيق

استمرت حرمة الكعبة مصانة في العصر الإسلامي الأول، إلى أن آلت الأمور إلى الحكم الأموي؛ حيث جرى الاعتداء السافل على البيت الحرام بعد أن مهدت السلطة لذلك بترويج ثقافة استعبادية دخيلة على الإسلام تفترض السمع والطاعة للحاكم حتى وإن ضرب الظهر وأخذ المال. وقد مكنت هذه الثقافة المنحرفة يزيد بن معاوية من ارتكاب جرائم مروعة شملت قتل الحسين عليه السلام، وإباحة المدينة المنورة في واقعة الحرة قتلاً واغتصاباً ونهباً، ثم محاصرة مكة المكرمة والاعتداء على المسجد الحرام والكعبة المشرفة بالمنجنيق هدماً وتحرقاً سنة أربع وستين للهجرة.

وقد وثق المؤرخون، كالأزرقي في “أخبار مكة”، مشاهد ذلك الدمار الوحشي؛ حيث كانت الحجارة تتطاير على وجه الكعبة وترتج من أعلاها إلى أسفلها، حتى احترق المنجنيق بصاعقة إلهية أهلكت من فيه. ودخل عبد الله بن عمرو بن العاص المسجد الحرام باكيًا على حطام الكعبة المحترقة ومؤوبًا باللعنة على من اقترفوا تلك الجرائم بحق عترة النبوة وحرمة رب العالمين.

الخاتمة: حتمية قصم الله لكل معتدٍ على حرماته

لقد رسم القرآن الكريم بوضوح عظمة الكعبة ومكانتها في المنظور الإلهي بوصفها أول بيت وضع للناس، ومثابة أمن وسلام، ولم يقصده ظالم بسوء إلا قصمه الله عاجلاً أو آجلاً؛ كشأن جرهم، وأبرهة، ويزيد، والقرامطة الذين سرقوا الحجر الأسود وغيرهم ممن طغوا فباءوا بغضب الله وسخطه.

وإن التاريخ الإنساني يعيد إنتاج هذه السنن؛ فكل طاغية ومعتدٍ يتجاوز الحدود سيناله جزاؤه المحتوم، وإن القرار الصادر عن محكمة الجنايات الدولية بحق مجرمي العصر، وإن جاء متأخراً، إلا أنه مسمار آخر يسقط في نعش الكيان الغاصب الباغي بإذن الله تعالى.

الشيخ علي حسن

View all posts