الزاوج والارتباط الغرائزي بين الذكر والأنثى جزء أساسي من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو السبيل الطبيعي والوحيد لضمان استمرار نسل الإنسان وبقائه على وجه الأرض، مصداقاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1].
وما ضرورة استمرار نسل الإنسان؟ لأن الله سبحانه وتعالى اختار الإنسان ليكون خليفته في الأرض، وأراد له ألا ينقرض، كما أعلن للملائكة منذ بدء الخليقة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30].
التفسير الموضوعي لآية خلق الزوج وتفنيد الروايات الإسرائيلية
نعود لنتأمل آية سورة النساء ونتساءل: ماذا يعني قوله تعالى {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}؟
يُبين العلامة الطباطبائي في تفسيره أن المراد من هذه العبارة هو بيان كون زوجها من نوعها بالتماثل، وأن هؤلاء الأفراد المبثوثين مرجعهم جميعاً إلى فردين متماثلين متشابهين؛ أي متحدان في النوع والجنس البشري، وليس المراد من ذلك أن الأنثى خُلقت من جسد الرجل أو من ضلعه كما ورد في بعض المرويات والإسرائيليات.
ولتأكيد أن هذا المعنى هو المراد حصراً، استدل العلامة بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وقوله عز وجل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72]. فهل خُلقت زوجتك الحالية من ضلعك أو كانت جزءاً من جسدك ثم انفسخت عنه؟ كلا بالتأكيد؛ فكذلك الأمر في خلق زوجة آدم عليه السلام.
ولذا ختم العلامة الطباطبائي بيانه بالقول: فما جاء في بعض التفاسير أن المراد بالآية… وفاقاً لما في بعض الأخبار أن الله خلق زوجة آدم من ضلع من أضلاعه، مما لا دليل عليه من ظاهر الآية الكريمة.
التنظيم الإلهي للرابطة الزوجية وميثاقها الغليظ
وجاءت الشرائع الإلهية المتتالية فنظّمت هذه العملية وهذه العلاقة الحيوية ضمن عقد واتفاق محدد، تتخلله شروط والتزامات واضحة، وهو ما يُصطلح عليه في القرآن الكريم بعنوان (النكاح)، كما في قوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور: 32]، وقوله سبحانه: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3].
كما اعتبر التشريع الإسلامي هذا العقد والاتفاق ميثاقاً مقدساً وغلظياً لا يُستهان به: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]. وحذّر القرآن الكريم في أكثر من موضع من التلاعب ببنوده أو الإخلال بواجباته والتزاماته.
إن اتحاد النوع من الجنسين يهيئ الظروف الطبيعية لتحقيق السكينة؛ وهي الانسجام والارتياح النفسي والعميق والشعور بالطمأنينة والاستقرار: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189].
طبعاً الله تبارك وتعالى يفيض هذه النعم بفضله، ولكن الإنسان نفسه –ذكراً كان أو أنثى– قد يسلب نعمة (السكن) بيده من حياته الزوجية، إما نتيجة لسوء الاختيار الأساسي لشريك الحياة، أو من خلال سوء إدارة العلاقة الزوجية لاحقاً.
ثلاثية النجاح الزوجي: السكن والمودة والرحمة
وفي آية سورة الروم، بالإضافة إلى السكينة، يبرز عنصران عاطفيان أساسيان يفيض بهما الله تعالى على العلاقة الزوجية، وهما المودة والرحمة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
إن هذه الثلاثية المتمثلة في: السكن، والمودة، والرحمة، من شأنها متى ما توفرت وتفاعلت أن تحقق العلاقة الزوجية الناجحة والمستقرة.
فهل توافر هذه الأسس الثلاثة يعني خلو الحياة الزوجية تماماً وبشكل نهائي من المشكلات والخلافات والسلبيات؟ ليس بالضرورة؛ بل قد يبدو أن هذا التصور يعكس نظرة غير واقعية لطبيعة البشر والحياة. غير أن توافر هذه الأسس يعني قلة تلك السلبيات والمشكلات والخلافات، كما يعني القدرة على إعادة الحياة الزوجية إلى وضعها الصحي والمطلوب كلما حادت عن الجادة، وبأقل الخسائر الممكنة، وفي أقصر مدة زمنية، وربما من دون أي حاجة للتدخل السلبي من أطراف خارجية.
تعقيدات العصر ومسؤولية التوعية الأسرية
وحيث إن الزواج في الماضي، وكذلك إدارة تفاصيل الحياة الزوجية، كان أيسر بكثير مما عليه الحال اليوم، وباتت هناك تعقيدات كثيرة تواجه مسألة الاختيار السليم، ثم متطلبات الزواج وتأسيس بيت الزوجية، مروراً بطبيعة العلاقة بين الزوجين، وصولاً إلى المؤثرات السلبية العديدة والمتسارعة في عصرنا، فإن كل هذا صار يفرض بإلحاح إيجاد مؤسسات وجهات مختصة تعمل على توعية الشباب من الجنسين بكل ما يخص الزواج، وأسس إدارة الحياة الزوجية، فضلاً عن كيفية إدارة الخلافات الأسرية بحكمة، وحتى التعامل بوعي مع ما قد يطرأ من مشكلات قد تنتهي بالطلاق في حال قررا الانفصال.
