قال تعالى في محكم التنزيل: {وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ} [الضحى: 5].
يقف المتأمل أمام هذا النص القرآني الشريف عند دلالتين مركزيتين تفتحان آفاقاً واسعة في فهم المنزلة المحمدية الكبرى وطبيعة الجزاء الرباني.
تتمثل الدلالة الأولى في خصوصية هذا الوعد واستثنائيته؛ فالأصل والمألوف في مسار العبودية أن يكون العبد هو الساعي والمتطلع لنيل رضا ربه، كما جاء في آية بيعة الرضوان: {لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗاً قَرِيبٗاً} [الفتح: 18]، حيث اجتهد الرعيل المؤمن طلباً لمرضاة الخالق فنالوا ذلك الفضل. غير أن سياق سورة الضحى يقدم مشهداً استثنائياً يتولى فيه الحق جل وعلا وعد نبيه بالإرضاء: {وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ}، بما يحمله هذا التكريم من امتياز باذخ ومقام لم يبلغه أحد من العالمين.
أما الدلالة الثانية فتنطلق من التساؤل المعرفي حول كنه وماهية هذا العطاء الذي جعله الله سبباً في رضا نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله. وحين استقراء آيات الكتاب العزيز، لا نجد اقتران لفظ “العطاء” بصيغة الامتنان الإلهي الصريح للنبي سوى في موضع واحد في قوله سبحانه: {إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ} [الكوثر: 1].
الكوثر بين المعنى اللغوي ومسارات التأويل
على صعيد الوضع اللغوي والتفسير الأولي، تدل صيغة “الكوثر” على الكثرة المفرطة والفيض من كل شيء؛ فيُطلق الكوثر على الغبار المتراكم الكثيف، وعلى الرجل الجزيل العطاء، وعلى النهر لغزارة مائه، وعلى كل خير عظيم متدفق. غير أن تحديد المصداق الخارجي للكوثر الممنوح للرسول يندرج في باب التأويل، كونه يبتغي تعيين حقيقة العطاء في الواقع الوجودي والتاريخي.
وقد استعرض أبو جعفر الطبري في مصنفه “جامع البيان في تأويل القرآن” جملة من الاحتمالات والآراء المأثورة عن قدماء المفسرين وحملة الآثار:
ما روي عن عبد الله بن عمر وجماعة من أنه نهر في الجنة حافتاه من ذهب وفضة ويجري على الدر والياقوت وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وهو ما نُسب في بعض طرقه إلى النبي صلى الله عليه وآله.
ما روي عن عكرمة من أنه النبوة وعموم الخير الذي آتاه الله إياه.
ما نُقل عن عكرمة أيضاً بأنه الخير الكثير المتجسد في القرآن والحكمة.
ما روي عن عطاء بأنه حوض في الجنة مخصص للنبي وأمته.
وفي هذا السياق التفسيري، أورد أمين الإسلام الطبرسي في “مجمع البيان” أوجهاً تأويلية إضافية:
ما نقله عن أبي بكر بن عياش بأنه كثرة الأصحاب والأتباع والأنصار.
ما رواه عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام بأنه مقام الشفاعة الكبرى يوم القيامة.
القول بأنه كثرة النسل والذرية الطاهرة، حيث ظهرت تلك البركة في نسله من ولد ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام حتى جاوز عددهم الإحصاء واتصل امتدادهم المبارك إلى يوم القيامة.
وقد علق الطبرسي على هذا التعدد مرجحاً أن اللفظ من حيث السعة يحتمل شمول جميع هذه المعاني، في حين سجل العلامة الطباطبائي في تفسير “الميزان” دهشته من تشعب الآراء، مشيراً إلى أن بعض الباحثين أحصى فيها ما يناهز ستة وعشرين وجهاً تفسيرياً.
القرائن الحافة وتعيين البعد الأخروي والمعنوي للعطاء
إن ترجيح المصداق الأظهر يستدعي تحكيم القرائن النصية والسياقية التي تكشف عن طبيعة هذا الإرضاء الإلهي:
تتجلى القرينة الأولى في المقطع السابق للوعد الإلهي في سورة الضحى: {وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٌ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ، وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ} [الضحى: 4-5]. فهذا الترتيب ينفي أن يكون العطاء الإلهي محصوراً في المكتسبات المادية الدنيوية كالمال أو الدور والقصور؛ إذ يتنافى مع الحكمة والترتيب القرآني أن يقرر الحق تفضيل الدار الآخرة على الدنيا العاجلة ثم يُقصر عطاءه لنبيه على متاع فانٍ. ومن هنا يثبت أن العطاء إما أن يكون أخروياً خالصاً، أو دنيوياً متصلاً بغايات معنوية ورسالية تمتد آثارها إلى النشأة الأخرى.
ومن المستبعد في ميزان التضحيات الكبرى أن ينحصر العطاء الموعود للنبي صلى الله عليه وآله في مجرد نهر أو حوض ماء في الجنة ليكون هو الغاية القصوى من رضاه، وإن كان وجود هذا الحوض ونعيمه حقاً ثابتاً وجزءاً من الكرامة الإلهية، إلا أن رضوان النبي يرتبط بما هو أسمى من النعيم الحسي المجرد.
أما القرينة الثانية فتكمن في خاتمة سورة الكوثر: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ} [الكوثر: 3]. يوضح ابن منظور في “لسان العرب” أن الأبتر هو مقطوع العقب الذي لا نسل له، وقد نزلت الآية رداً على العاص بن وائل السهمي حين عيّر النبي بفقد بنيه الذكور ورماه بصفة الأبتر، فأنزل الله تعالى الرد الحاسم مؤكداً أن مبغضه هو المنقطع عقبه وأثره.
ومع ذلك، فإن هذا العطاء لا يمكن اختزاله في مجرد الكثرة العددية البحتة للذرية، فالكثرة بذاتها قد تكون وبالاً وسبباً للمشقة كما يحذر التنزيل: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ} [التغابن: 14]. كما أن خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام لما بُشّر بالإمامة وسأل عن ذريته: {وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ}، جاءه الجواب الإلهي الصارم بأن العهد لا ينال الظالمين، بل يختص بالصالحين. كذلك لم يطلب نبي الله زكريا عليه السلام مجرد الولد، بل قيد دعاءه بطلب الولي المرضي: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 5-6].
فاطمة الزهراء (ع) المصداق الجلي للكوثر والرد على الجاهلية
انطلاقاً من تضافر هذه القرائن، يتضح أن الله تعالى وعد نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله بعطاء عظيم يملأ قلبه رضا، وهو عطاء يتجاوز الماديات الزائلة ليثمر هداية وبركة متصلة بالآخرة. وتكشف المعطيات أن ذرية النبي المستمرة من بضعته الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام تمثل المصداق الأبرز والأجلى لهذا الكوثر؛ فهي النبع الطاهر الذي حُفظ به نسله وامتدت به رسالته.
جاء هذا الإكرام الإلهي في قلب مجتمع جاهلي متخلف كانت فيه الأنثى رمزاً للشؤم ومظنة للعار والوأد: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ، يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِ} [النحل: 58-59]، ليقلب الإسلام تلك المعايير الباطلة رأساً على عقب، ويجعل من سيدة النساء عليها السلام أصلاً لشجرة النبوة المباركة ومستودعاً للإمامة والنور.
إن كوثرية الذرية الزاهرة لم تكن امتداداً كمياً فحسب، بل تجسدت في أسمى مراتب الكيف النوعي؛ إذ اشتملت هذه الذرية الطاهرة على أعلام الهدى وأئمة الحق ورجالات الفضل الذين أضاؤوا تاريخ الأمة علماً وتضحية وزهداً، وهو ما عبر عنه الفخر الرازي في “التفسير الكبير” بعبارته المنصفة: فانظر كم قُتل من أهل البيت، ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يُعبأ به، ثم انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم.
