قال تعالى في محكم كتابه العزيز: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].
نزلت هذه الآية الشريفة في السنة الثالثة للهجرة في ظلال معركة أُحُد، مشكّلة منعطفاً حاسماً في تاريخ المواجهة بين الإيمان والشرك؛ وذلك عقب إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وآله في معمعة القتال كما أثبتت الروايات.
ولم يقف أثر تلك الإشاعة -مقرونة بمرارة الانكسار العسكري- عند حدود الصدمة الميدانية، بل أحدثت ارتباكاً نفسياً وزلزالاً إيمانياً دفع طائفة من المسلمين إلى التشكيك في مصداقية الوعود الإلهية والنبوية السابقة حول حتمية انتصار الحق، وانسحب هذا التردد حتى على أصول التوحيد وصفات الربوبية وتدبير الكون: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154].
لقد تصاعدت الوساوس في نفوس أولئك: لو كان النصر حليفنا حقاً لما سقط سبعون من خيرة المؤمنين؛ كحمزة ومصعب وسائر الشهداء، ولما باتت دماؤنا وأموالنا مهددة باجتياح المشركين إذا كرّوا على المدينة ثانية مستبيحين أهلها على عادة عرب الجاهلية.
وكانت صدمة الهزيمة غير متوقعة لثلاثة أسباب؛ أولها أن المؤمنين كسبوا بدراً الكبرى وهم أقل عدداً وأضعف عدة، وثانيها رسوخ التصور الساذج بأن صراع الحق مع الباطل يوجب غلبة المؤمنين في كل جولة بصورة آلية، وثالثها وجود شخص النبي المؤيد بالوحي بينهم؛ فكيف يُهزمون إذن؟
من هنا، تولت آيات سورة آل عمران معالجة مواطن الخلل الفكري والنفسي والتربوي التي انكشفت عقب الصدمة.
أصالة الرسالة وفناء الأشخاص: القيادة في ميزان الخلود
تصدت السورة لعلاج الخلل الأول المتعلق بطبيعة الارتباط بين القائد ورسالته؛ فحسم القرآن أن عظمة القيادة -ولو بلغت رتبة النبوة الخاتمة- لا تجعل مسيرة الحق مرهونة بحضورها الجسدي، ولا يسوغ لغيابها بموت أو قتل أن يوقف المشروع أو يثلم المبادئ.
إن المبادئ هي الأصل الثابت، والرموز إنما يُعظّمون لإخلاصهم وتضحياتهم في سبيلها لا لذواتهم الفانية، إذ قضى الله بعدم خلود بشر في هذه الدار: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 34-35].
ومن ثم جاء التذكير الجازم: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ}؛ فموت القائد سُنّة جارية خضع لها الأنبياء قبله، ولم تندثر رسالاتهم بموتهم، والانقلاب على الأعقاب عند فقدهم لن ينقص من ملك الله شيئاً: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38].
سُنّة التضحيات ومنهج الربّانيين في مراجعة الذات
عالجت السورة وهماً آخر تمثل في ظن إمكانية نيل النصر بلا أثمان فادحة؛ فذكّرهم التاريخ بنماذج الصمود: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146].
لم تفلّ المصائب عزائم أولئك الربانيين، ولم تسلبهم إرادة التفكير والمواجهة، بل استندوا إلى ركيزتين: الصبر والثبات أولاً، والارتباط الوثيق بالله مع المكاشفة الذاتية ثانياً: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147].
لم يعلقوا التقصير على شماعة القدر أو يظنوا خذلاناً من الله، بل بادروا إلى استئصال ثغراتهم الداخلية ورأب صدوع الجبهة، ثم عادوا للنزال متوكلين على الحي القيوم؛ فكانت استجابة المعادلة الإلهية: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148].
فلسفة الشهادة وكسر الانكسار النفسي
تمثل الخلل الثالث في الاستغراق في الحزن المقعد على استشهاد القادة؛ فكان من شأن الركون للأسى أن ينسي المسلمين مقاصد الجهاد ويقوقعهم في المآتم، فبددت الآيات سحب اليأس بالحقيقة الإيمانية الناصعة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169-171].
فالشهداء أحياء عند ربهم ينعمون برضوانه، فرحين بما آتاهم، مستبشرين بإخوانهم السائرين على دربهم، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
أما الخلل الرابع فكان التقوقع حول جراح الجبهة الداخلية وقراءة الميدان بعين الضعف وحدها؛ فوسّع النص القرآني زاوية الرؤية مذكّراً بأن الألم سنة تذوقها الجبهتان معاً، وأن خسارة معركة لا تعني هزيمة أبدية: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].
وقد أثبتت الأيام صدق هذا الوعد؛ إذ عاد المسلمون فانتصروا في الأحزاب وخيبر، وتوجت المسيرة بالفتح المبين لمكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
استشهاد القادة المعاصرين وواجب التكافل مع غزة ولبنان
إن الموت حق وسنة لا تستثني أحداً، والنبي صلى الله عليه وآله فارق الحياة وظلت رسالته خالدة تتسع أركانها. وكذلك شأن قادة الجهاد في أمتنا؛ فالقائد المقاوم الذي نذر عمره لمقارعة المشروع الصهيوني طوال أكثر من ثلاثة عقود، محققاً إنجازات التحرير وإذلال الاحتلال ودحره من لبنان، إنما وجد في الشهادة تتويجاً طبيعياً وغاية منشودة لكل مجاهد صادق.
إن المقاومة التي أُرسيت بنيتها بالتضحيات باقية صلبة لا تنكسر بارتقاء رماتها، ما دام في الميدان رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لم يهنوا لما أصابهم ولم يضعفوا، مستجيبين للأمر الإلهي: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}.
نسأل الله تعالى للشهداء الأبرار رفعة الدرجات، وللمجاهدين الثبات والنصر، وللجرحى الشفاء العاجل، وللمفجوعين جميل الصبر والسلوان. ويبقى الواجب الإنساني والديني يفرض مؤازرة إخواننا في غزة ولبنان في هذه الظروف العصيبة وهم يفترشون العراء ويكابدون الحصار والعدوان، مع التطلع إلى اضطلاع الجمعيات الخيرية وهيئات الإغاثة بدورها المنشود في إسنادهم وإغاثتهم.

