عن عبد الأعلى بن أعيَن عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “إن أعظمَ الكِبْرِ غَمْصُ الخلق وسَفَهُ الحق، قال: قلت: وما غَمْصُ الخلق وسَفَهُ الحق؟ قال: يَجهَلُ الحقَّ، ويَطعَنُ على أهلِه، فمن فعل ذلك فقد نازعَ الله عز وجل رداءَه”. وغَمْصُ الخلق في دلالته الدقيقة هو احتقار الناس وتسفيههم واستصغار شأنهم، بينما سَفَهُ الحق هو إنكاره واستثقاله والجهل به.
ظاهرة الاستعجال السلبي في التعاطي مع أفكار الآخرين
من السلوكيات الخاطئة والمؤسفة المنتشرة بين كثير من الناس في الواقع المعاش، تلك المبادرة السريعة بردود أفعال سلبية حادة ومسبقة تجاه الآراء والأطروحات والأفكار التي يبديها الآخرون، وذلك قبل ممارسة أدنى درجات التحقق والتثبت، وقبل التفكير الهادئ والبحث الموضوعي في عمق مضمون القول وجوهره.
إن ردة الفعل السلبية المتعجلة التي تتمثل في تسفيه الرأي، وتحقير القائل، واستصغار فكرته، والطعن المباشر في شخصه عبر اتهامه بالجهل أو الانحراف الفكري أو سوء النية وما شابه ذلك، لا تنشأ من فراغ، بل تقف خلفها دوافع نفسية وتربوية ومنهجية بالغة الخطورة.
بواعث الحكم المسبق ومحاذير الخلل النفسي
يتجلى الدافع الأول في الموقف النفسي السلبي المسبق من صاحب المقولة، حيث يصدر الحكم بالإعدام التام على الفكرة سلفاً بالنظر إلى هوية المتكلم أو الخصومة معه، دون إعارة أي التفات أو اعتبار لمحتوى الفكرة ذاتها، والتي قد تكون في حقيقتها صحيحة وحقاً ناصعاً. وهذا المسلك يجافي التوجيه القرآني الصارم الذي يلزم المؤمنين بالإنصاف التام: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
أما الدافع الثاني فيتمثل في آفة الجهل بحقائق الأمور؛ وخطر هذا التسرع الجهول هو ما حذر منه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في كلمته البليغة: “لو أن العباد حين جهلوا، وقَفوا، لم يكفروا ولم يضلّوا”. فإطلاق الأحكام القاطعة في مواطن الجهل ودون إحاطة علمية كافية يجر الإنسان إلى مهاوي الهلاك الفكري والسلوكي، وقد يتردى به تدريجياً إلى دركات الكفر والضلال الصريح.
ويتمثل الدافع الثالث في داء العُجب والترفع المستكبر على الناس، وهو كِبر دفين قد يتغذى على نزعات التعصب للقومية، أو النعرة القبلية، أو الانتماء الجغرافي والطبقي والأسري، أو حتى التمترس المغلوط خلف الدين والمذهب، وهو عين ما شخصه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في الحديث الشريف المروي عن الإمام الصادق عليه السلام.
خطورة منازعة الكبرياء الإلهي
إن من يقترف هذا الجرم الأخلاقي ويتردى في استحقار الناس ورد الحق بعدوانية، ينزل نفسه في موضع خطير عبر عنه البيان النبوي بأنه: “فقد نازعَ الله عز وجل رداءَه”. وهذا التعبير إشارة صريحة وبليغة إلى ما ثبت في النصوص من أن الكبرياء والعظمة رداء خاص بالذات الإلهية المقدسة لا يليق بالمخلوق المحدود الضعيف؛ فمن تكبر وطغى، فقد تطاول على ما لا يملكه وافترى على مقام ربه، مما يستوجب طرده من ساحة الرحمة وعظيم العقوبة والهوان في النشأة الأخروية.
التثبت والإنصاف كضمانة لحماية الإيمان
إن هذا الحديث النبوي الشريف يقدم وصية تربوية عملية بالغة الأهمية، ودعوة ملحة إلى التثبت، والبحث، والتروي، ومراجعة النفس، وتجريد النوايا قبل اتخاذ أي موقف سلبي تجاه آراء الآخرين وأفكارهم ومواقفهم الفكرية والسلوكية؛ تحصيناً للإنسان من الوقوع في فخ الكِبْر المقيت، وحماية له من خطر دفع الحق وإنكاره ومواجهة أهله الصادقين.
