قال تعالى في محكم كتابه العزيز: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74].

البلاغة القرآنية ومفارقة التشبيه المقلوب

يقتضي التشبيه في أصول البلاغة وقواعد اللسان العربي أن يكون وجه الشبه في “المشبّه به” أقوى وأظهر منه في “المشبّه”؛ فعندما يقال في البيان المألوف “زيدٌ كالأسد”، فإن الأصل المفترض هو أن تكون الشجاعة في الأسد أرسخ وأعظم منها في زيد.

غير أن الآية القرآنية الكريمة تقلب هذا المعيار لترسم مشهداً استثنائياً مفزعاً؛ فالقلوب هنا، وهي المشبّه، غدت أشد قسوة وغلظة من الحجارة الصماء التي هي المشبّه به.

لقد تجردت تلك القلوب من أدنى معاني الرحمة، واستعصت على أي فيض من عواطف الإنسانية وبذلها، بعدما غرق أصحابها في مستنقع الاستكبار والعتوّ، وتجرؤوا بالطغيان حتى على مقام الخالق ورسالات أنبيائه.

جذور التمرد والتبرير بالاستغلاق الإدراكي

تقدم سورة البقرة شواهد دامغة على هذا الانحراف التاريخي المتجذر، كما في قوله جل وعلا: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87].

يلمح النص الشريف إلى أنهم كانوا في قرارة وجدانهم يدركون صدق الرسالة وحقيقة الرسول، لكن لما تعارض ما جاء به مع أهوائهم، وأمزجتهم، ومصالحهم الفاسدة، قابلوه بالاستكبار والعدوان بين تكذيب وتقتيل.

ولم يقف الانحراف عند هذا الحد، بل لجأوا إلى التبرير الوقح لجرائمهم بالادعاء الزائف بالعجز الإدراكي وعدم القدرة على استيعاب الخطاب الإلهي: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}.

وحتى على فرض هذا العجز المزعوم، فهل يبيح جهل الشيء التكذيب به وسفك دماء حملته؟ يأتي الرد الإلهي الحاسم ليكشف زيف تلك الدعاوى: {بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88]، مؤكداً أن العلة الكامنة هي الطغيان، والتمرد الذاتي، والانغماس في الجحود.

المشاهد الحية للسادية والتوحش في الميدان المعاصر

تتطابق هذه الصورة السلوكية التاريخية مع ما يمارسه الكيان الصهيوني من إجرام ممنهج وسادية متوحشة في الأراضي الفلسطينية واللبنانية، لا سيما مع مرور قرابة العام على معركة طوفان الأقصى التي حطمت غطرستهم وكشفت عجزهم.

المشهد الأول يتجلى في تنظيم رحلات بحرية سياحية قبالة شواطئ غزة ليلاً، لتمكين المستوطنين من شذاذ الآفاق من التفرج على طائراتهم الحربية وهي تدك منازل المدنيين على رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ؛ حيث تتعالى هتافات الفرح والرقص الهستيري على وقع الانفجارات وتصاعد أعمدة الدخان، في مشهد سادي ينتعش فيه حلمهم المريض بالاستيطان على أشلاء الضحايا.

المشهد الثاني يوثقه جنود الاحتلال بكاميراتهم وهم يدحرجون بأرجلهم جثامين الشهداء من فوق أسطح المنازل في الضفة الغربية ويسقطونها بأبشع صورة، متذرعين بوقاحة أثارت حتى بعض أوساطهم بعدم توافر نقالات ولعدم رغبتهم في تلطيخ أيديهم بدماء الفلسطينيين.

المشهد الثالث يظهر في تقييد الشبان الفلسطينيين الجرحى على مقدمات الآليات العسكرية المصفحة، أو إجبار الأطفال على التقدم كدروع بشرية داخل الأنفاق والمباني المشبوهة، درءاً لضربات المقاومة وحماية لجنودهم الجبناء.

المشهد الرابع يتمثل في الخديعة الدموية بإعلان مناطق بعينها مربعات إنسانية آمنة، ثم مباغتة خيام النازحين فيها بعد منتصف الليل بصواريخ ارتجاجية وقنابل حارقة هائلة، تمحو أجساد الضحايا صهراً وتفتيتاً أو تدفنهم في حفر سحيقة تحت الركام على عمق أمتار عديدة.

يضاف إلى ذلك جريمة تفجير وسائل الاتصال المدنية، والاعتداءات الوحشية في معسكرات الاعتقال وسجون التعذيب التي فضحتها التسجيلات المصورة، بما ينم عن نفوس سيكوباتية موتورة تتلذذ بتوليد الألم ولا تكتفي بمجرد القتل، بل تتفنن في استعراض الجريمة وإهانتها للكرامة الآدمية.

التأصيل الأيديولوجي للإبادة في النصوص المحرفة

إن هذا السلوك المتوحش يستند إلى مرجعيات تاريخية وعقدية محرفة تحرض على الإبادة. ففي سفر يشوع، يُنسب هجوم بني إسرائيل على أريحا بالعبارة التالية: “وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْلٍ وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ… وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا”.

وحاشا لعدالة الله ورحمته أن تأمر بهذا الإفناء الأعمى، وحاشا لأنبيائه أن يقترفوا مثل هذه البشاعات، لكنها المخيلة المريضة التي سطرت تلك الأساطير ونسبتها إلى الوحي.

ويتكرر المشهد ذاته في سفر صموئيل الأول بادعاء تلقي الأمر بمحو العماليق: “فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ، وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا”.

ولما كان الكيان الصهيوني يبني حروبه واحتلاله القائم منذ عقود على هذه الخلفيات الدينية، فإن هذه النصوص تعد بالنسبة لقادته وجنوده مسوغاً مقدساً ودافعاً لممارسة أقصى درجات الفتك.

التنشئة السيكوباتية وتبرير عقيدة الحرب الاستئصالية

أثبتت الدراسات الأكاديمية رسوخ هذا التوجه، حيث أجرى أستاذ علم النفس بجامعة تل أبيب جورج تمارين دراسة شهيرة شملت نحو ألف طالب وطالبة في المدارس الثانوية الإسرائيلية لفحص أثر إبادة أريحا المنسوبة ليشوع في وعيهم؛ فأيد نحو ثمانين بالمائة منهم صحة تلك الممارسات، بينما طالب ثمانية وثلاثون بالمائة بتطبيق الإبادة عينها على القرى والمدن العربية.

وهذا يفسر استدعاء بنيامين نتنياهو المتكرر لهذه الرموز والمرويات في خطاباته الحربية، لشرعنة المذابح في غزة، والضفة، ولبنان.

وفي السياق نفسه، لخص الحاخام الصهيوني مانيس فريدمان ما دعاه “الطريقة اليهودية في الحرب الأخلاقية” في مقابلته مع مجلة مومنت الأمريكية عام 2009؛ إذ جهر برفضه للمواثيق الإنسانية التي تحظر قتل المدنيين أو استهداف دور العبادة والمقابر، معلناً بوقاحة: “إن الطريقة الوحيدة لخوض حرب أخلاقية هي الطريقة اليهودية: دمِّر أماكنهم المقدسة، واقتل رجالَهم ونساءَهم وأطفالَهم ومواشيهم”، زاعماً أن هذه القيم التوراتية تمثل نوراً ينبغي أن تسير عليه الأمم بدلاً من الأخلاقيات الوضعية.

يكشف هذا التنظير حقيقة زعمهم المتكرر بأن جيشهم هو الأكثر أخلاقية في العالم؛ فهم لا يقيسون الأخلاق بالمعايير الإنسانية المتعارف عليها، بل بمنظار سيكوباتي استعلائي يستبيح الوجود الفلسطيني بالكامل.

وقد وثقت منظمة المشروع الاشتراكي الكندية في مقال تحليلي عام 2020 تحت عنوان “الاعتلال النفسي الجماعي الناجم عن الوقاحة” عمق هذا التردي الأخلاقي، مستشهدة بتشخيص مدير مركز المعلومات البديلة في القدس ميشيل وارشاوسكي: “إن المجتمع بأكمله مريض، مريض بشكل رهيب”.

واستعرض التحليل شهادات حول انتهاكات جنود الاحتلال لمكاتب وزارة الثقافة في رام الله والتبول والتبرز المتعمد على أدب الأطفال، والأفلام، ومعدات العمل، في تعبير همجي عن الحقد والانحطاط.

كما أكدت البروفيسورة في الجامعة العبرية نوريت بيليد-إلحنان في أبحاثها حول المناهج التعليمية الإسرائيلية: “يُعلَّم الأطفال من خلال الكتب المدرسية الإسرائيلية أن المجازر تَمنحُ الكرامةَ والفخرَ للجيش، ومِن رياض الأطفال إلى الصف الثاني عشر، يُعَدّ الجيش صنماً وقدوة وإلهاً للشباب الإسرائيلي؛ يُصوَّر اليهود على أنهم متفوِّقون ورمزٌ للقيم العالمية، في حين أن الفلسطينيين صراصير وحشرات ومخلوقات يجب القضاء عليها”.

استحقاقات المواجهة ورفض سياسة الغاب الدولية

إن الهجمة الصهيونية الشاملة الجارية تمثل تنفيذاً لمخطط استعماري توسعي يستهدف تفكيك قوى المنطقة، وتدمير إرادة المقاومة فيها، وتقسيم كياناتها وتأجيج الفتن بين شعوبها، تمهيداً لبسط الهيمنة المطلقة.

إن هذا التهديد الوجودي يفرض على كل غيور على وطنه، ودينه، وكرامة أمته أن يقف صفاً واحداً إلى جانب قوى المقاومة التي تتصدى لمشروع الإبادة والتهجير.

وقد تجسد هذا الموقف الصادق في الكلمة الحكيمة لممثل سمو أمير دولة الكويت في القمة الأممية، حين صدح بالحق قائلاً: “ولعلّ ما يحدث في فلسطين من إبادةٍ جماعيةٍ راح ضحيتُها أكثرَ مِن 41 ألف فلسطيني، غالبيتُهم من النساء والأطفال، وعجْزَ مجلسِ الأمن عن إيقافِ هذا العدوان لهو مثالٌ قاطعٌ مؤسفٌ على نهجِ الكيلِ بمكيالين في تطبيقِ القانونِ الدولي.. الأمر الذي يجب ألا يكون له مكانٌ في مستقبلِنا حتى لا ننزلقَ إلى عالَمٍ تسودُه سياسةُ الغاب”.

الشيخ علي حسن

View all posts