من أهم الأمور التي امتاز بها أمير المؤمنين اﻹمام علي (ع) في الجانب الفكري القرآني، أنه كان يفتح آفاقاً فكرية وأخلاقية وروحية وحتى شرعية من خلال آيات القرآن الكريم، ولا يتوقف عند حدّ المعنى المباشر للآية، بل يستخرج بالتدبر فيها مفاهيم ومعان عديدة. ويأتي هذا التطبيق استجابة للدعوة الإلهية الكريمة في مثل قوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: 24]، فكان علي (ع) خير معين على فتح هذه الأقفال للتدبر العميق في آيات الكتاب الحكيم.

آفاق أرحب لفهم الآيات القرآنية

للنظر في كيفية تقديم الإمام علي (ع) لمفهوم أخلاقي عميق من خلال آيات القرآن بصورة قد لا تتبادر إلى ذهن القارئ العادي، لنتأمل قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83]. إن المعنى المتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى من هذه الآية هو اختصاصها بفئة معينة من الناس تمتلك من القدرة والسلطان ما يجعلها عُرضة للوقوع في فخ العلو في الأرض والاستكبار على الخلق لتكون سبباً للفساد، لاسيما وأن الآية جاءت بعد سرد قصة قارون واستكباره ثم هلاكه. إلا أن الإمام (ع) فتح لنا أفقاً أرحب، وخرج بالمسألة من نطاق الفهم الضيق إلى الشمولية التامة في التطبيق من خلال الغوص في باطن الآية وتقديم مثال بعيد جداً عن السياق الظاهري، ليعطيها رحابة أكبر مما يتبادر إلى الأذهان، بالصورة التي قد نعتقد معها أنها لا تخاطبنا.

وقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام) في مصادر سنية وشيعية عديدة، من بينها تفسير الطبري، ما رواه أبو سلمان الأعرج عنه (ر) أنه قال: (إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه، فيَدخل في قوله: [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ]) [القصص: 83]، وشراك النعل هو ما يُعبَّر عنه برباط الحذاء. وبالطبع لا يقصد الإمام أن مجرد الرغبة في اقتناء الشيء الجميل هي السبب لدخوله ضمن من تستهدفهم الآية الشريفة، بل العبرة بخصوصية رغبة الإنسان في الاستعلاء على غيره بذلك، بدليل كلمة (أجود) الواردة في الرواية التي تبين حالة المقارنة والتنافس والتعالي، وإلا فإن نفس الرغبة في اقتناء ما هو حسن أو جميل أمرٌ لا يعيبه الإسلام؛ فقد روي أن رجلاً قال للنبي الأكرم (ص): (يا رسول الله، إني أحب أن يكون ردائي حسناً، ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: لا، إن الله جميل يحب الجمال). وهذا ما التفت إليه الطبري حين قال معلّقاً: (حديث علي محمول على مَن أحبّ ذلك ليتعظّم به على صاحبه، لا مَن أحبّ ذلك ابتهاجا بنعمة الله عليه).

خطر مدّ العين ومآسيه

من أهم مداخل (العلو في الأرض) والاستكبار والتعلق بالدنيا ما جاء في قوله تعالى: (ولا تمُدّنّ عيْنيْك الىٰ ما متّعْنا بِهِ أزْواجًا مِّنْهُمْ زهْرة الْحياةِ الدُّنْيا لِنفْتِنهُمْ فِيهِ ورِزْقُ ربِّك خيْرٌ وأبْقىٰ) [طه: 131]. فهذا (المد للعينين) كان ومازال سبباً للكثير من المآسي والنكبات التي يقع فيها الناس في حياتهم اليومية؛ فكم من شخص كتب شيكات بلا رصيد ودخل السجن بسبب مدّ العين، وكم من أسرة تفككت بسبب ضغط الزوجة لتملّك ما هو أفضل مما يتملكه الآخرون بمدّ العين، وكم من سرقات وخيانات مالية وقعت بسبب مدّ العين، وكم من امرأة سلكت طريق الفواحش بسبب مدّ العين، وكم من جريمة ارتُكبت بسبب مدّ العين، وكم من إنسان نسي المسجد والصلاة ونسي الآخرة ونسي الموت ونسي ربه بسبب مدّ العين والتعلق بزخارفها الفانية.

الذكر جلاء للقلوب ونور البصيرة

من الأمثلة العميقة الأخرى ما ورد في نهج البلاغة برقم (222)، حيث توقف الإمام (ع) عند تلاوة قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، لتثور في قلبه وعقده أفكار عظيمة يوضح فيها أن الله سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاء للقلوب، به تُزيل ما يتراكم على القلب مما يمنع عن الاهتداء والاتّعاظ، وبما يُبعد الإنسان عن الله ويجعله حبيس شِراك الشيطان. وحينئذ يمكن للقلوب أن تسمع به بعد الوقرة (أي الصمم وثقل السمع)، وتبصر به بعد العشوة (أي عدم وضوح الرؤية)، وتنقاد به بعد المعنَدة.

فالإمام ينبه إلى أن لحواس الإنسان بُعدين؛ بُعداً مادياً وبُعداً معنوياً، والبعد المعنوي هو المرتبط بكيفية توظيف هذه الحواس في القرب من الله ونيل رضوانه والبصيرة وحُسن الخاتمة. وكما أن البُعد المادي يُصاب بالخلل نتيجة الأمراض أو الإصابات أو كبر السن، فكذلك يُصاب البعد المعنوي منها بالخلل نتيجة المعاصي والغفلة والإنغماس في الماديات والبعد عن المسجد واللهو وغير ذلك. وكما تسعى للعلاج من الخلل المادي الذي يلحق بهذه الحواس، عليك أن تسعى بذات القدر للعلاج من الخلل المعنوي الذي يصيبها، ومن أهم سبل علاجها ذكر الله تعالى.

الذاكرون وهم هداة الناس في زمن الفترة

يؤكد الإمام (ع) في الخطبة نفسها أن الذاكرين هم هداة الناس في زمن الفترات؛ إذ يقول: (وَمَا بَرِحَ لِلَّهِ – عَزَّتْ آلَاؤُهُ – فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ، وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ) كالزمن الذي نعيشه اليوم حيث تنقطع علاقتنا المباشرة بأنبياء الله ورسله (عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ، وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ) لا عن طريق الوحي (فَاسْتَصْبَحُوا) واهتدوا وعرفوا طريقَهم (بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَفْئِدَةِ). ولم يكتفوا بأن يكون مصباحُ الهداية هذا لهم وحدَهم، بل سعوا جاهدين أن يهدوا الناسَ إلى ما اهتدوا إليه وتحمّلوا مسئولياتهم بكل أمانة وإخلاص.

فهم (يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اللَّهِ وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ)، يذكِّرون الناس بأيام رحمة الله وغضبه، أيام الانتصارات وأيام الانتقام، بيوم البعثة ويوم الفتح ويوم تحقق الوعود الإلهية ويوم القيامة والحساب. وهم (بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ) حيث يُغيثون الناس ويهدونهم إلى الطريق الصحيح بغضّ النظر عن خصوصياتهم، ويكونون بمثابة الرحمة النازلة من السماء حين يجدهم الضال الحائر. فمن أخذ القصد حمدوا إليه طريقه وبشروه بالنجاة، ومن أخذ يميناً وشمالاً ذموا إليه الطريق وحذروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات، يتابعون عملهم ولا يسأمون، ويغيّرون أساليبهم لعلهم ينجحون، ويترصّدون الشبهات ليرفعوها عن أذهان الناس.

نموذج العبادة والخشية في ليل الكوفة

في أمالي الصدوق، وبسند عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال: كنا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا أخبركم بأقل القوم مالاً وأكثرهم ورعاً وأشدهم اجتهاداً في العبادة؟ قالوا: من؟ قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه. ثم انتدب له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر، لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها. فقال أبو الدرداء: يا قوم إني قائل ما رأيت وليقل كل قوم منكم ما رأوا، شهدت علي بن أبي طالب بشويحطات النجار (والشوحط شجر يتخذ منه القسي)، وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات النخل (والمغيلات النخل الوارف الظل).

فافتقدته وبعد على مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجية وهو يقول: (إلهي كم من موبقة حلُمتَ عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمْت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك). قال: فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام، فاستترت له وأخملْت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فزع إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى، فكان مما ناجى به الله أن قال: (إلهي، أفكر في عفوك، فتهون عليَّ خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذِك فتعظُمُ عليّ بليتي).

ثم قال: (آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أُذن فيه بالنداء. ثم قال: آه من نار تُنضج الأكبادَ والكُلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرة من ملهباتِ لظى).

قال أبو الدرداء: ثم أنعم في البكاء، فلم أسمع له حساً ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر. فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك وزويته فلم ينزو، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب. فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم، فقالت فاطمة (عليها السلام): يا أبا الدرداء، ما كان من شأنه وما قصته؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله -يا أبا الدرداء- الغشية التي تأخذه من خشية الله. ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه، فأفاق ونظر إلي وأنا أبكي، فقال: مم بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت: مما أراه تنزله بنفسك. فقال: يا أبا الدرداء، فكيف لو رأيتني ودعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمني الأحباء، ورحمني أهل الدنيا، لكنتَ أشدَّ رحمةً لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية. فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله).

العمل اليدوي وخدمة المجتمع

في كتاب (حلية الأولياء) لأبي نعيم الأصفهاني عن مجاهد بن جبر قال: (خرج علينا علي بن أبي طالب يوماً معتجراً، فقال: جعت مرّة بالمدينة جوعاً شديداً فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، إذا أنا بامرأة قد جمعت مدراً -أي طيناً جافاً- تريد بلّه، فأتيتها فقاطعتها -أي اتفقت معها- في مقابل كل ذَنوب -أي دلو- على تمرة. فمددتُ ستّة عشر ذَنوباً حتى مجُلت يداي -أي ظهرت الانتفاخات من خشونة الحبل- ثمّ أتيت الماء فأصبتُ منه، ثمّ أتيتُها فقلت بكفّي هكذا بين يديها فعدّت لي ستّة عشر تمرة. فأتيت النبي فأخبرتُه، فأكل معي منها). وفي رواية أخرى: (ثم غسلتُ يدي فذهبت بالتمر إلى رسول الله (ص) فقال لي خيراً ودعا لي).

وعن الإمام موسى الكاظم (ع) أنه قال: (إن لله عباداً في الأرض يَسعَوْنَ في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة، ومَن أدخل على مؤمن سروراً فرَّح الله قلبه يوم القيامة). ونسأل الله تعالى أن نكون منهم. لقد كان علي (ع) يمتلك مثل هذا القلب الكبير وهذه الروحية العظيمة إلى الحد الذي لا يحسم فيه أمر ذلك اللعين الذي وجّه إليه الضربة الغادرة وهو في محراب الصلاة، ويجعل من العفو عنه خياراً من خيارات التعامل معه فيما لو كُتب لعلي (ع) أن يبرأ من إصابته البليغة.

القرآن كتاب حياة وتأمل ذاتي

لقد ورد عنه (ع) قوله بعد تلاوة سورة التكاثر: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)، وعند تلاوته لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ). فالقرآن الذي جعله الله كتاب الإنسان في الحياة، بحيث يستلهمه في كلّ ما يواجهه من قضايا ومشاكل وتطوّرات ومتغيّرات، يحتاج إلى فهم أكثر عمقاً وحركيّة وحيويّة في واقع الإنسان، ولكنّ المسلمين للأسف جمّدوه وحصرووه في دوائر ضيقة. وقد كان الإمام (ع) يدفع نحو التأمل الذاتي في القرآن بحثاً عن الحقيقة الخالصة، إذ يقول: (أَلاَ إنَّ كُلَّ حَارِث مُبْتَلىً فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ، غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرآنِ. فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَاسْتَدِلُّوهُ عَلى رِّبِّكُمْ، وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ).

وقد تلمّسنا ذلك بوضوح عندما توقّفنا مع خطبته الشريفة في نهج البلاغة برقم (222)، وفيها قدّم الإمام مجموعة من المفاهيم المستنبطة من قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، ووصلنا إلى المقطع الذي يقول فيه: (وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلًا أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلًا، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ)، فهذا الذِّكر يمثّل عنوان مسيرتهم في الحياة الدنيا نحو الآخرة، و(يَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ)، فهم غير سلبيين تجاه ما يُحيط بهم مِن أجواء الغفلة عن الله، بل هم (يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ)، فلا يعيشون الازدواجية في شخصيتهم، لأن ظاهرهم انعكاس صادق لباطنهم، على خلاف المنافقين والذين في قلوبهم مرض؛ من الذين اسودّت جباهُهم ولكن بقيت قلوبُهم سوداء مُظلمة، ومن الذين لا تُفارق حبّاتُ المِسباح أناملَهم ولكن بقيت أياديهم مُنغمسةً في معصية الله. هؤلاء لم يعيشوا تقوى الله في حقيقة وجودهم، إما غفلةً، أو عن سوء فهم، أو لأنهم اتخذوه شِعاراً لخداع الناس، أو ظناً بأنّ لهم أن يخدعوا الله في جنّتِه كما وصفهم القرآن: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [البقرة: 9].

البصيرة الغيبية ومحاسبة النفس

يمضي الإمام (ع) واصفاً هؤلاء الأبرار بالقول: (فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ. فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ فِي طُولِ الْإِقَامَةِ فِيهِ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهمْ عِدَاتِهَا). إنهم ما يزالون في الدنيا، وكلٌّ من البرزخ والآخرة غيب، ولكنهم من خلال ذلك الذِّكر المستمر خصّهم الله بمرتبة سامية من اليقين بها، وامتلكوا بصيرة صار معها الغيب بالنسبة إليهم حقيقة مشهودة لا لبس فيها. ولكن، هل اكتفوا بأنْ أنعم الله عليهم بما أنعم؟ كلا، بل انطلقوا في مجتمعاتهم يبلغون رسالات ربهم: (فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ، وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ)، فتحقُّق مثل هذا الأمر ليس بالسهل، ولكنها البصيرة النافذة التي يمنحها الله لمن أخلص له الطاعة.

وواحدة من الصور الغيبية الكبرى التي شاهدوها بعقولهم الواعية، الحساب الأخروي الدقيق كما وصفه الله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: 49]. ولذا بادروا لمحاسبة أنفسهم بدقة بالغة قبل الوقوف بين يدي الله في ذلك الموقف الرهيب: (فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ الْمَحْمُودَةِ وَمَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَةِ، وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ، وَفَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا، أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فيها). هذه هي الخطوة الأولى، أما الثانية فهي تحمّلهم لمسئولية ما قدّموا بالمبادرة إلى إصلاح أخطائهم والاعتراف بها: (وَحَمَّلُوا ثِقَلَ أَوْزَارِهمْ ظُهُورَهُمْ). ولكنهم حيث يجدونها ثقيلة التبعات، يتوجّهون إلى الله بالتوبة الصادقة والبكاء وطلب العون: (فَضَعُفُوا عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِهَا، فَنَشَجُوا نَشِيجاً، وَتَجَاوَبُوا نَحِيباً، يَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَاعْتِرَافٍ).

إن علياً (ع) لا يصف بكلماته هذه ملائكةً مقرَّبين، ولا عباداً معصومين، بل إنه يتحدث عن نموذجٍ قابلٍ أن يكون كلُّ فردٍ منّا مصداقاً مِن مصاديقه، غاية ما في الأمر أن المطالِب العالية لا تُدرَك بالتمنّي، بل بالعزيمة والهمّةِ والعملِ الجاد الصادق.

اللحظات الأخيرة وبشائر الجنة

لقد أعطى علي (ع) كلَّ حياته وذاته لله عز وجل، ولهذا فإنه حين دخل عليه الأصبغ بن نباتة عبّر له أمير المؤمنين عن تلك الطمأنينة العميقة التي يعيشها في اللحظات الأخيرة من حياته، وفي لحظات الوداع التي ما كان بمقدور علي (ع) أن يستقبل فيها أحداً لولا أنه سمع بكاء محبيه. فقد روى أمالي المفيد عن الأصبغ بن نباتة العبدي قال: (لما ضرب ابن ملجم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام غدونا عليه نفرٌ من أصحابنا أنا والحارث وسويد بن غفلة، وجماعة معنا فقعدنا على الباب، فسمعنا البكاء فبكينا، فخرج إلينا الحسن بن علي فقال: يقول لكم أمير المؤمنين: انصرفوا إلى منازلكم. فانصرف القوم غيري، واشتد البكاء من منزله فبكيت، فخرج الحسن عليه السلام فقال: ألم أقل لكم انصرفوا؟! فقلت: لا والله يا ابن رسول الله ما تتابعُني نفسي ولا تحملُني رجلي أن أنصرف حتى أرى أمير المؤمنين صلوات الله عليه. قال: فتلبّث فدخل ولم يلبث أن خرج فقال لي: ادخل. فدخلت على أمير المؤمنين عليه السلام فإذا هو مستندٌ معصوبُ الرأس بعُصابةٍ صفراء، قد نزف دمُه واصفرّ وجهُه، فما أدري أ وَجهُه أشدُّ اصفراراً أم العمامة، فأقبلْتُ عليه فقبَّلتُه، فبكيت، فقال لي: لا تبكِ يا أصبغ، فإنها والله الجنَّة).

بِالأَمْسِ عُدْتَ وَأَنْتَ أَكْبَرُ مَا احْتَوَى = وَعْيٌ وَأَضْخَمُ مَا تُخَالُ ظُنُوْنُ

فَسَأَلْتُ ذِهْنِي عَنْكَ هَلْ هُوَ وَاهِمٌ = فِيْمَا رَوَى أَمْ أَنّ ذَاكَ يَقِيْنُ

وَهَلْ الذِيْ رَبَّى أَبِي وَرَضَعْتُ مِنْ = أُمِّيْ بِكُلِّ تُرَاثِهَا مَأْمُوْنُ

أَمْ أَنَّهُ بَعُدَ المَدَى فَتَضَخَّمَتْ = صُوَرٌ وَتُخْدَعُ بِالبَعِيْدِ عُيُوْنُ

أَمْ أَنّ ذَلكَ حَاجَةَ الدُنْيَا إِلَى = مُتَكَامِلٍ يَهْفُو لَهُ التَكْوِيْنُ

فَطَلِبْتُ مِنْ ذِهْنِي يَمِيْطُ سَتَائِرَاً = لَعِبَ الغُلُوُّ بِهَا أَوْ التَهْوِيْنُ

حَتّى انْتَهَى وَعْيِي إِلَيْكَ مُجَرَّدَاً = مَا قَادَهُ المَوْرُوْثٌ وَالمَخْزُوْنُ

فَإِذَا المَبَالِغُ فِي عُلاَكَ مُقَصِّرٌ = وَإِذَا المُبَذِّرُ فِي ثَنَاكَ ظَنِيْنُ

وَإِذَا بِكَ العِمْلاَقُ دُوْنَ عيَانِهِ = مَا قَدْ رَوَى التَارِيْخُ وَالتَدْوِيْنُ

وَإِذَا الذِي لَكَ بِالنُفُوْسِ مَنْ الصَدَى = نَزْرٌ وَإِنَّكَ بِالأَشَدِّ قَمِيْنُ

وَلَقَدْ عَشِقْتُكَ وَاحْتَفَّتْ بِكَ أَضْلُعُي = جَمْرَاً وَتَاهَ بِجَمْرِهِ الكَانُوْنُ

وَفِدَاءَ جَمْرِكَ إِنّ نَفْسِي عِنْدَهَا = تَوْقٌ إِلَى لَذَعَاتِهِ وَسُكُوْنُ

الشيخ علي حسن

View all posts