على الرغم من عنف المعارضة السياسية التي واجهها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشدتها، إلا أنه كان حريصاً أشد الحرص على أن تنال كافة حقوقها كاملة، ما دامت لم ترفع السيف وبقيت في إطار المعارضة السلمية ولم تبدأ بالقتال. وقد ظهر ذلك جلياً في تعامله مع الخوارج؛ فعندما أُتي إليه برجل يسبّه، قال لمن أتاه: “فسبَّه كما سبَّني”، ولما قيل إنه يتوعده، قال: “لا أقتلُ مَن لم يقتلْني”. ثم وضع لهم قواعد التعامل العادل بقوله: “لهم علينا ثلاث: أن لا نمنعُهم المساجد أن يذكروا الله فيها، وأن لا نمنعُهم الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا، وأن لا نقاتلُهم حتى يقاتلونا”.
وحين بلغت الأمور حدّ المواجهة، كان (ع) لا يبدأ بالقتال قط، بل يُعطي الخصم المهلة تلو الأخرى ويدعوهم إلى السلم. وعن البراء بن عازب قال: “بعثني عليّ إلى النهر إلى الخوارج، فدعوتهم ثلاثاً قبل أن نقاتلهم”. وكذا فعل في يومي الجمل وصفين بأكثر من وسيلة حقناً للدماء. وقد أرسى قواعد أخلاقية صارمة للجيش الإسلامي في الحروب، كما جاء في وصيته لجيشه: “لا تقاتلوا القوم حتى يبدأوكم، فهي حجة أخرى لكم عليهم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مُدبراً، ولا تُجهزوا على جريح، ولا تَكشفوا عورة، ولا تُمثّلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحالِ القوم فلا تَهتكوا سِتراً، ولا تدخلوا داراً إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تُهيّجوا امرأة، وإن شتمنَ أعراضَكم، وتناولنَ أُمراءكم وصُلحاءَكم”.
التنمية المجتمعية واستصلاح الأراضي
في أبعاد التنمية المجتمعية وبذل الجهد اليدوي المعطاء، رُوي في الكافي بسند عن الإمام الصادق (ع) أن النبي (ص) قسّم الفئ فأصاب علياً أرض، فاحتفر فيها عيناً فخرج ماء ينبع في السماء كهيئة عنق البعير، فسماها (ينبع)، فلما جاء البشير يبشره قال (ع): “بشّر الوارث هي صدقة بتّة بتلاء، في حجيج بيت الله وعابر سبيل الله، لا تُباع ولا تُوهب ولا تُورّث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً”. ومثل ينبع أوقف عيوناً وآباراً كثيرة على الحجيج وعابري السبيل؛ كعين البيحر، وجبير، وخيف ليلى، وخيف بسطاس، ونولا، وأبي نيزر، والبغيبغة، وأرينة، وبئر الملك، حتى سميت المنطقة بميقات مسجد الشجرة بـ (أبيار علي).
كما اهتم (ع) بزراعة النخيل وأقام البساتين لتكون صدقات جارية للمحتاجين؛ ففي الكافي عن الإمام الصادق (ع) أن أمير المؤمنين كان يخرج ومعه أحمال النوى (ننو التمر المرمي)، فإذا قيل له: “يا أبا الحسن، ما هذا معك؟” يقول: “نخل إن شاء الله”، فيغرسه فلا يغادر منه واحدة. ويقول ابن أبي الحديد في شرح النهج معاتباً العثمانية في مقارنة زهد الخلفاء: “قد علم كل أحد أن عليّاً استخرج عيوناً بكد يده بالمدينة وينبع وسويعة، وأحيا بها مواتاً كثيراً، ثم أخرجها عن ملكه، وتصدّق بها على المسلمين، ولم يمت وشيء منها في ملكه، وفضّلهم أمير المؤمنين (ع) بأنه كان يعمل بيده، ويحرث الأرض ويستقي الماء ويغرس النخل، كل ذلك مباشره بنفسه الشريفة”.
ولم يغفل الإمام (ع) عن رعاية الطبقة السفلى والمساكين والمعاقين ممن لا يتجرأون على الشكوى؛ فقد كتب لمالك الأشتر حين ولاه مصر موصياً: “ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى… وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم، ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم”، محذراً من استغلال حاجتهم أو المنّ عليهم في العطاء.
الرعاية الإنسانية الشاملة وتلبية حاجات الناس
امتد حرص أمير المؤمنين (ع) ليشمل حاجات الناس الشخصية كافة دون تمييز؛ فعن سعيد الهمداني أنه رآه يوماً في شدة الحر في فناء حائط فقال: “يا أمير المؤمنين، بهذه الساعة؟” فقال (ع): “ما خرجت إلا لأُعين مظلوماً أو أغيث ملهوفاً”. ولم يقتصر عطاؤه على المسلمين، بل امتد ليرفع الظلم عن غيرهم؛ ففي التهذيب للطوسي: “مرّ شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين (ع): ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال أمير المؤمنين (ع): استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال”. وكيف لا يفعل ذلك وهو القائل لمالك الأشتر: “وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق”.
ليلة الفجيعة وشهادة يعسوب الدين
استمر الإمام (ع) في عطائه حتى وافته المنية في شهر رمضان المعظّم؛ فقد روى ابن الأثير في الكامل عن أنس بن مالك أنه مرض فدخل عليه أبو بكر وعمر، فدخل النبي (ص) فنظر في وجهه فقال له أبو بكر وعمر: “يا نبي الله، ما نراه إلا ميتاً”، فقال: “لن يموت هذا الآن، لن يموت حتى يملأ غيظاً، ولن يموت إلا مقتولاً”. وكان علي (ع) يكرر قوله: “ما يمنع أشقاكم أن يخضب هذه من هذه؟” يعني لحيته من دم رأسه. وكان عثمان بن المغيرة يذكر أن عليّاً كان لما دخل رمضان يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند أبيه جعفر، لا يزيد على ثلاث لُقَم، ويقول: “أحب أن يأتيني أمر الله وأنا خميص، وإنما هي ليلة أو ليلتان”، فلم تمض ليلة حتى قتل.
أزِفَ الكَرْبُ واستُبيحَ الذِّمارُ *** مُذْ قضى حيدرٌ وحَلَّ الدَّمارُ
غِيلَ مَنْ كانَ بلسماً للبرايا *** والجميلَ الخِلاق فهو المنارُ
قُتِلَ البَرُّ والأمامُ المُواسِي *** بِفدا النفْسِ في الوغى كرّارُ
بابُ علمِ النبيِّ خيرُ البرايا *** معهُ الحقُّ تابِعٌ دَوّارُ
أشْهَرَ الخيرَ فاستضاءَتْ عقولٌ *** واستَنارتْ بعلْمهِ الأفكارُ
نفْسُ طه النبيِّ ثُمَّ أخُوهُ *** وأبو الأطهَرِينَ نِعمَ البِذارُ
هو زَوجُ البتولِ اُمِّ أبيها *** هو بدرُ الدُّجى به يُستَنارُ
يا بلاءً صَبَّ الشُّجونَ علينا *** هدَّنا الفَقدُ فالرزايا كِبارُ
فلقد فاتَ قائدٌ ذو أناةٍ *** واعتلى فاسِقٌ وذئبٌ سُعارُ
نَشَرَ الشرَّ حاقِداً ولِواهُ *** مَخلبُ الغدرِ قاطعٌ بتّارُ
جلَّ رِزْءاً بأنْ يُغالَ وَصيٌّ *** طاهرُ النفسِ ما عليهِ غُبارُ
وبِبَيتِ اللّطيفِ يُضرَبُ عبدٌ *** زاهدٌ .. في خُشُوعهِ الإقرارُ
ويُنادي الشقِيُّ: “لستَ مُطاعاً” *** ثمّ تُـدمى محاسنٌ أنوارُ
يا حبيبَ الإلهِ في كلِّ حينٍ *** يا فتى خيبرٍ بَكاكَ الفِقارُ
كنتُّ دِرعَ الرّسُولِ يومَ الدواهي *** في حُنينٍ لمَّـا بَدا الإدبارُ
حسبُنا وُدُّنا عَليّاً إماماً *** وعليهِ السلامُ مِنّـا الكِثارُ
طِبْتَ حيّاً وميّتاً يا إمامِي *** إنّكَ المَجدُ فخرُهُ الإبهارُ

