استكمالاً لما تم عرضه حول مواقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وسمو أخلاقه وحرصه المطلق على الأمة ومصالحها العليا، نتناول جهوده المباركة في حماية كيان الأمة ومصالح الناس والحفاظ على الوحدة اﻹسلامية ما أمكن إلى ذلك سبيلاً، متخذين من نهجه القويم مناراً.

حين وجد الإمام علي (عليه السلام) أن أمر الدولة الإسلامية ومصالح المسلمين بحاجة إلى تدخله، سواء أكان ذلك في موقف حاسم، أم في مشورة دقيقة، أم في دفع خطر داهم، فإنه لم يقصّر قط، بل كان المعين الناصح والمستشار الحريص على مصلحة الأمة جمعاء، متجلياً بذلك بروح المسؤولية الكبرى التي تجاوزت أي اعتبار شخصي.

الاستشارات العسكرية والسياسية في عهد الخليفة عمر

عند الرجوع إلى المصادر التاريخية وكتاب (علي والخلفاء) لنجم الدين العسكري، نجد أكثر من تسعين مورداً في قضايا عسكرية وسياسية ودينية استشار فيها الخليفة عمر بن الخطاب الإمامَ عليّاً وأخذ برأيه السديد. ومن أبرز الشاهدين على ذلك:

موقف معركة نهاوند؛ فعندما تكاتبت الأعاجم من أهل همذان والري وأصفهان ونهاوند لغزو المسلمين بجموع هائلة بعد وفاة النبي (ص) وأبي بكر، فزع الخليفة عمر فزعاً شديداً واستشار الناس، فأشار عليه الإمام علي (ع) بحكمة بالغة ناصحاً بعدم الخروج بنفسه، ومبيناً له التداعيات الاستراتيجية الخطيرة إن أخرج أهل الشام أو اليمن أو الحرمين، ومقدمًا له خطة بديلة قائمة على النصر الإلهي لا الكثرة العددية، فأعجب الخليفة عمر بهذا الرأي السديد وكرره إعجاباً واختياراً. وكان بالإمكان للإمام أن يشجعه على الذهاب لعله يتخلص من مزاحم على الحكم، لكنه كان الناصح الأمين الباحث عن المصلحة العامة لا المصالح الشخصية.

أرض السواد؛ ففي تاريخ اليعقوبي وغيره، أن عمر أراد أن يقسم أرض السواد (الفتوحات) بين الجند، فشاور علياً (ع) فقال له: «إنْ قسمتها اليوم لم يكن لمن يجئ بعدنا شيء، ولكن تقرّها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا». فقال عمر: «وفّقك الله! هذا الرأي»، فبقي حكمها نافذاً لمصلحة أجيال المسلمين المتعاقبة.

مواقفه الحكيمة في عهد الخليفة عثمان

على الرغم من إبداء الإمام علي (ع) اعتراضه على بعض السياسات الإدارية في عهد الخليفة عثمان، ولا سيما فيما يخص دور البطانة، إلا أنه لم يفكّ قط عن تقديم النصيحة والرأي السديد، وحاول جاهداً معالجة موجات التمرد وحماية الخليفة ونصح الثائرين وتوسّط بينهم، حتى إنه حين حوصر عثمان ومُنِع عنه الماء، أرسل ولديه الحسن والحسين (عليهم السلام) بقِرَب الماء إلى بيته وأمرهما بالوقوف على بابه حراسةً له ودفعاً للأذى عنه.

ليلة الفجيعة وشهادة أمير المؤمنين (ع)

استمر الإمام (ع) على هذا النهج العطوف والحريص على الأمة إلى أن وافته القدرة الإلهية في تلك الليلة المباركة من شهر رمضان، حين أقبل الشقي ابن ملجم (لعنه الله) متواطئاً مع شبيب بن بجرَة لارتكاب جريمته النكراء في المسجد الأعظم بالكوفة وقت صلاة الفجر.

فلما خرج الإمام لينادي بالصلاة، انقضّ الخبيث بضربة غادرة على قرن الإمام الشريف فخضّب منها لحيتَه الطاهرة، فوقع صريعاً يقول كلمته الخالدة: «فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، وحين أُدخل عليه ابن ملجم نظر إليه وقال: «النفسُ بالنفس، إن أنا مِتُ فاقْتلُوه كما قَتَلني، وإن سَلِمْتُ رأيتُ فيه رأيي».

قل لابن ملجم والاقدارُ غالبةٌ هَدَمْتَ ويلك للاسلامِ اركانا

قتلتَ أفضلَ من يمشي على قدم * وأولَ الناس اسلاما وايمانا

وأعلمَ الناسِ بالقرآنِ ثم بما * سَنّ الرسولُ لنا شَرعا وتِبيانا

صهرَ النبي ومولاه وناصرَه * أضحت مناقبُه نوراً وبرهانا

وكان منه على رغمِ الحَسودِ له * مكانَ هارونَ مِن موسى بنِ عمرانا

الشيخ علي حسن

View all posts