حرص الأنبياء والأوصياء على هداية الناس

يُلاحظ المتأمل في آيات القرآن الكريم على لسان الرسل والصالحين وجود أسلوب خاص في الخطاب ينم عن عمق الحرص الشديد على المخاطَبين وحب الخير للناس، والخوف البالغ من العواقب الوخيمة التي يجرها الكفار والعناد والفساد على أنفسهم. ومن أبرز نماذج ذلك خطاب نبي الله نوح (ع) لقومه كما حكاه القرآن الكريم: (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأعراف: 59]. ويتكرر هذا الأسلوب القرآني المعطاء على لسان الأنبياء تباعاً؛ فهود وصالح وشعيب يخاطبون أقوامهم بعبارة (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)، وهو أسلوب يتكرر مراراً في سورة هود وغيرها من السور. كما يتجلى هذا الحرص بوضوح على لسان مؤمن آل فرعون في سورة غافر حين نادى قومه محذراً ومشفقاً: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ) [غافر: 32].

ولم تكن مسألة دعوة الناس بالنسبة لهؤلاء الأنبياء مجرد أداء تكليف شرعي بحت أرادوا إسقاطه، بل كان دافعهم الأساسي هو حب الناس والحرص الإنساني العميق عليهم، وهو ما دفعهم إلى العمل بجد وإخلاص وتعب وتنويع للأسلوب وتحمل الأذى والتضحية البالغة في سبيل نجاتهم. وقد خاطب الله تعالى نبيه الكريم محمداً ﷺ مسرياً عنه ومخففاً من وطأة حزنه على إعراض قومه: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف: 6]، وتكرر المعنى ذاته في سورة الشعراء: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَّلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [الشعراء: 3]، ليتلو بعدها خطاب الرأفة والرحمة: (طه، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى) [طه: 1-3]، كأن المعنى أن كل المطلوب منك هو التذكير لا إهلاك النفس حسرةً على من اختاروا الشقاء بإرادتهم.

حرص أمير المؤمنين (ع) على اجتماع الأمة وألفتها

على هذا النهج النبوي الشريف سار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فكان الحريص كل الحرص على الناس، المحب لهم، الساعي في طلب الخير لهم، والمجهد نفسه في هذا الطريق والمضحي بمصالحه الشخصية لأجل الصالح العام. بل إن الأمة لما خذلته بعد وفاة النبي ﷺ في مسألة الحكم والخلافة، لم ينتقم منها ولم يقاطعها، بل بادر إلى تقديم الخدمات العديدة للناس، وحين احتاجته الأمة وأقيمت عليه الحُجة، تحمل المسؤولية الثقيلة ليقودها إلى بر الأمان رغم أن البعض لم يمنحه المجال الكافي لتنفيذ كامل إصلاحاته المنشودة. وتتضح شواهد هذا الحرص الأبوي والمسؤولية العالية عبر محطات تاريخية واضحة.

في إطار الحفاظ على اجتماع الأمة وألفتها

يفخر الإمام علي (ع) بأنه كان الأحرص على جماعة الأمة ووحدة كلمتها وألفتها، كما ورد في رسالته الشهيرة التي كتبها رداً على أبي موسى الأشعري في المكان الذي اتفقا فيه للحكومة، حيث قال له: (وَلَيْسَ رَجُلٌ -فَاعْلَمْ- أَحْرَصَ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأُلْفَتِهَا مِنِّي، أَبْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ، وَكَرَمَ الْمَآبِ. وَسَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي، وإن تغيرتَ عن صالح ما فارقتني عليه). ولم يكن هذا الكلام الصادر عن الإمام من باب المفاخرة أو المنّ، بل كان تقريراً للحق في زمن ضاعت فيه المعايير واختلطت الأمور وانقلب الناس على مواقفهم.

الشاهد الأول: خيار الصبر دفعاً للفتنة الكبرى

يشهد على صدق هذا الحرص ما صرّح به الإمام نفسه في الخطبة الشقشقية مبيناً أنه واجه خيارين؛ إما المبادرة للمواجهة وقوة السلاح للمطالبة بحقه الشرعي في الحكم بعد وفاة النبي ﷺ وهو خيار قد يصب صالحه في النهاية بالانتصار العسكري، لكنه حتماً لم يكن في مصلحة الصالح العام لما سيجرّه من اقتتال داخلي وإضعاف لجبهة الإسلام الفتية وإفساح المجال للمنافقين والمتربصين للانقضاض على كيان الدولة. والخيار الآخر كان الكف والانتظار والصبر الجميل، وقد وصفه بدقة بليغة: (وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى. فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهباً).

الشاهد الثاني: الزهد في الحكم حفاظاً على سلامة المسلمين

الشاهد الثاني يظهر حين عزموا على بيعة عثمان بن عفان، إذ خطب فيهم قائلاً بكل تجرد وإخلاص: (لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي وَوَاللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ).

الشاهد الثالث: رفض المحرضين على الفتنة

حين جاءه بعض الطامعين أو المتحمسين -ومنهم أبو سفيان كما ذكر ابن الأثير في تاريخه- وقال له: “ابسط يديك أبايعك، فوالله لئن شئت لأملأنّها عليه خيلًا ورجالًا”، زجره الإمام بحزم قاطع قائلاً: (وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا أَرَدْتَ بِهَذَا إِلَّا الْفِتْنَةَ، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ طَالَمَا بَغَيْتَ لِلْإِسْلَامِ شَرًّا! لَا حَاجَةَ لَنَا فِي نَصِيحَتِكَ). وكذا كان موقفه حين جاءه عمه العباس بن عبد المطلب عارضاً عليه البيعة ليقال إن عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله، فكان مقدم مصلحة الدين العليا فوق كل مكسب شخصي.

الشاهد الرابع: نصرة الإسلام عند خطر الردّة

حين حدثت انعطافة السقيفة وانثيال الناس على مبايعة الخليفة أبي بكر، أمسك الإمام يده حتى رأى راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام وصاروا يدعون إلى محق دين محمد ﷺ، فقال موضحاً دوافعه العليا: (فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَهُ فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ).

وهكذا كان علي (ع) يجسد روح الآيات الكريمة التي تدعو إلى الاعتصام بحبل الله والتحذير من الفرقة، فأنبرى لتحمل المسؤولية الكبرى انطلاقاً من مشاعره الإنسانية العميقة وحرصه الإلهي على هداية الناس وخيرهم، وظل يجهد نفسه ويضحى براحته وسلامته إلى أن امتدت يد الغدر الأثيمة لتخضب شيبته الطاهرة بدمائه الزكية في محراب العبادة.

شهادة المحراب وفجيعة الهدى

لقد تحقق ما عهده إليه رسول الله ﷺ كما روى ابن كثير في البداية والنهاية عن البيهقي بسنده عن علي (ع) أنه قال: (إن رسول الله ﷺ عهد إليّ أن لا أموت حتى تُخضب هذه -يعني لحيته- من دم هذه -يعني هامته-). ووقع المحتوم لتنعى السماء والأرض إمام الأتقياء:

عُودي لَنَا لَيْلَاءُ لَا يَبْدُو لَهَا نورٌ، وَلَا فِيهَا شِهَابٌ يَسْطَعُ

قَدْ غَابَ نُورُ اللهِ فِيكِ فَلَا زَهَا مِنْ بَعْدِهِ أُفُقٌ وَأَشْرَقَ مَطْلَعُ

أَدَرَى ابْنُ مُلْجَمٍ حِينَ سَلَّ حُسَامَهُ لِلْفَتْكِ بِالإِيمَانِ، مَاذَا يَصْنَعُ؟

أَرْدَى بِهِ التَّوْحِيدَ فِي مَلَكُوتِهِ فالعَرْشُ مِمَّا جَنَى مُتَفَجِّعُ

أَرْدَى بِهِ الإِسْلَامَ فِي تَوْجِيهِهِ فَشُعَاعُهُ بِدِمَائِهِ مُتَبَرْقِعُ

يَا فَتْكَةً جَبَّارَةً لَمْ تَنْدَمِلْ أَبَداً، وَغَلَّةَ وَاجِدٍ لَا تَنْقَعُ

الدِّينُ مِنْ جَرَّائِهَا مُتَزَلْزِلٌ وَالحَقُّ مِنْ نَكْبَاتِهَا مُتَزَعْزِعُ

صُمَّتْ لَهَا أُذُنُ الحَوَادِثِ دَهْشَةً وَتَلَلْجَ التَّارِيخُ وَهُوَ المِصْقَعُ

جُرْحٌ أَصَابَ الطُّهْرَ فِي مِحْرَابِهِ مِنْ وَقْعِهِ قَلْبُ الهُدَى يَتَوَجَّعُ

لَاقَى الإِلَهَ وَذِكْرُهُ بِلِسَانِهِ وَمَضَى إِلَيْهِ سَاجِداً يَتَضَرَّعُ

بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَتِلْكَ أَرْفَعُ شَارَةٍ يَقْضِي شَهِيداً بِالدِّمَاءِ يُلَفَّعُ

سِرُّ التَّقَرُّبِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنْ بِهِ تَسْمُو العِبَادَةُ لِلإِلَهِ وَتُرْفَعُ

قَدْ كَانَ بَيْنَ الأَنَامِ وَدِيعَةً رَجَعَتْ، وَأَيُّ وَدِيعَةٍ لَا تَرْجِعُ

وَنَعَاهُ لِلْمَلَإِ المُقَدَّسِ صَارِخاً جِبْرِيلُ: قَدْ مَاتَ الإِمَامُ الأَوْرَعُ

وَتَهَدَّمَتْ فِي الأَرْضِ أَرْكَانُ الهُدَى فَكِيَانُهُ مِنْ بَعْدِهِ مُتَضَعْضِعُ

الشيخ علي حسن

View all posts