رُوي في عددٍ مِن الأحاديث الشريفة وصف مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) بالصدِّيقة؛ ومن ذلك ما رواه الكليني بالإسناد عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن الكاظم (ع) قال: (إِنَّ فَاطِمَةَ (ع) صِدِّيقَةٌ شَهِيدَةٌ). والصدّيق صيغة مبالغة في الصِّدق، وتدل على كمال الصدق والتصديق وتمامهما، فالصدّيق هو الصادق فيما يفعل ويقول بحيث يكون فعلُه مطابقاً لقوله، وهو الصادق في إيمانه إلى أرقى مستوى، ولذا فإن قولَه وفعلَه يكونان مطابقين لما وقر في قلبه من حقيقة الإيمان.

الصديقية وصفة الأصفياء في القرآن الكريم

إن وصف الصدّيق هو وصف إلهيٌّ رفيع اختصّ الله به خيرة عباده والأصفياء منهم؛ فقد وُصف به الخليل إبراهيم (ع) في محكم كتابه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) [مريم:41]، ووُصف به النبي إدريس (ع) الذي رفعه الله مكاناً علياً: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) [مريم:56]. كما حازت السيدة مريم بنت عمران (ع) على هذا الوصف الكريم وهي التي اصطفاها الله وطهّرها واصطفاها على نساء العالمين، حيث قال تعالى: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [المائدة:75].

مراتب الاصطفاء الإلهي والصراط المستقيم

جعل الله سبحانه وتعالى الصدّيقين في مصافِّ الأنبياء الذين اصطفاهم واجتباهم مِن خلقه، وذلك في قوله عزّ من قائل: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) [النساء:69]. وكأنّ هذه الآية الكريمة ترشدنا إلى أنَّ مِن الناس أربعة أصناف يحظون بالمراتب الأولى والزلفى عند الله تعالى، وهم الأنبياء، والصدِّيقون، والشهداء، والصالصالحون، فهؤلاء هم أخصُّ عباد الله عنده، وكلَّ مَن سواهم فهم دونهم في المرتبة والمنزلة.

بما أن هذه الآية وصفت الأنبياء والصديقين والشهداء والصالصالحين بالذين أنعم الله عليهم، فإذا ربطنا هذا المعنى بقوله تعالى في سورة الفاتحة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة:7]، أدركنا يقيناً أنّ مَن أراد أن يتعرّف على الصراط المستقيم الذي يوصل إلى رضوان الله -والذي يدعو الإنسان المسلم به يومياً ومكرراً في صلواته- فعليه بالاطلاع على سيرة هؤلاء الأعلام، والعمل على اتّباع نهجهم في أبعاد الإيمان، والتقوى، والإخلاص، والعمل الصالح، والصبر، والتضحية، والإيثار. وفي المقابل، فإن الانحراف عن صراطِهم القويم يكون انحرافاً عن صراط الاستقامة، المُفضي إمَّا إلى طريق المغضوب عليهم، أو إلى طريق الضالِّين، وقد قال تعالى: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153].

شروط الهداية والقدوة الحسنة

لا يصح عقلًا ولا شرعاً أن يكون أحدٌ معلَماً للهداية إلا أن يكون في نفسه واجداً للهداية الكاملة والمقام السامي الذي يؤهّله لأن يكون هادياً للآخرين ومُرشداً لهم؛ وقد قال تعالى في هذا السياق: (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [يونس:35]. ومن كل ما سبق يمكننا أن نفهم جانباً عظيماً مِن أبعاد وصف الزهراء البتول (ع) بالصدّيقة، وما تدلّ عليه هذه الكلمة العظيمة من مقامٍ سامٍ في كمال الصِّدق والتصديق وتمامِهما، وفي مطابقةِ قولِها فعلَها، وفي بلوغ إيمانِها المستوى الأرقى مِن بين مقامات الإيمان والتقوى.

إنها تدل أيضاً على مقامِ الهدايةِ العظمى إذ جاءت في مصافِّ مرتبةِ الأنبياءِ والشهداءِ والصالصالحين الذين أنعم الله عليهم بالهدايةِ الكاملة، فصاروا هداةً للناس ومناراً يهتدون به في ظلمات الحياة؛ وهكذا هي الزهراء الصدّيقة في هدايتها بسيرتها العطرة والمباركة، وفي ما يُفتَرضُ بالمؤمنين والمؤمنات -على وجه التحديد- أن يستدلّوا به على الصراط المستقيم، لأنها سراج منير من ذلك النور الإلهي الذي يملأ فضاء الوجود بالهداية والنور، كما وصفها سبحانه في مثل نوره العظيم: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لّا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النور:35].

الشيخ علي حسن

View all posts