يُعدّ ابتكار وتأسيس قوة الشرطة النظامية واحدةً من أبرز إنجازات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على مستوى الإدارة السياسية والأمنية للدولة الإسلامية؛ إذ أنشأ قوة نظامية متكاملة مكونة من ستة آلاف عنصر أُطلق عليها اسم (شرطة الخميس).
في بداية تأسيسها، كانت هذه القوة تُمثل وحدة حربية؛ وكلمة (الخميس) تعني الجيش، لأنه كان يُقسّم عادةً إلى خمسة أقسام رئيسية هي المقدمة، والساقة، والقلب، والجناحان. أمّا (الشُّرْطة أو الشُّرَطة) فهي أول كتيبة تقدم حضوراً في الحروب، وتُعد خيار جند السلطان ونخبة أصحابه الذين يقدّمهم على سائر جنوده، ولذلك سُمّوا بحق “نخبة النخبة”.
وقد رُوي عن الأصبغ بن نباتة، الذي كان يتولى قيادة هذه القوة في معركة صفين الكبرى، أنه سُئل يوماً: “كيف سُميتم شرطة الخميس يا أصبغ؟” فأجاب بكل عزم وإخلاص: “إنا ضمنَّا له الذبح، وضمن لنا الفتح”، في إشارة واضحة إلى أنهم بايعوه على الموت والفداء. وكانت هذه القوة تضم في صفوفها خيرة وصفوة المجتمع الإسلامي آنذاك من حيث الإيمان العميق، والتقوى، والعمل الصالح، حتى كان يُقال لمن ينتمي إليها كمدحٍ بالغ ووسام شرف: “فلان من شرطة الخميس”.
وضمت هذه القوة النخبوية في صفوفها ثلّفة مباركة من جلة الصحابة؛ مثل عمار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، وسهل وعثمان ابني حنيف الأنصاريين، إضافة إلى شخصيات عظيمة من غيرهم؛ كالأصبغ بن نباتة، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وميثم التمار، ورشيد الهَجَري، وحبيب بن مظاهر الأسدي، ومحمد بن أبي بكر، والحارث الهمْداني.
المهام الأمنية الداخلية وتحقيق العدالة
لم تقتصر مهام هذه القوة على الجانب العسكري فحسب، بل تحولت في أوقات السلم لتؤدي أدواراً أمنية داخلية بالغة الأهمية في حفظ الأمن والنظام العام وحماية المجتمع، بصورة تقترب كثيراً من مفهوم وأدوار جهاز الشرطة في عصرنا الحاضر.
وتتجلى بوضوح إحدى عيون مشاهد تطبيق العدالة ودور شرطة الخميس الأمنية في القصة التي رواها الإمام محمد الباقر (عليه السلام): أن شاباً أتى أمير المؤمنين (ع) فقال له: “إن هؤلاء النفر خرجوا بأبي معي في السفر، فرجعوا ولم يرجع أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله فقالوا: ما ترك مالاً، فقدمتُهم إلى شريح القاضي فاستحلفهم، وقد علمتُ أن أبي خرج ومعه مال كثير”. وهنا تراءت بوضوح شبهة جنائية واضحة مع وجود دافع قوي للجريمة.
عندئذ قال أمير المؤمنين (ع): “والله لأحكمن بينهم بحُكمٍ ما حكَم به خلقٌ قبلي إلا داود النبي (ع). يا قنبر، ادعُ لي شرطة الخميس”. فدعاهم الإمام، ووكّل بكل رجل من المتهمين رجلاً من الشرطة، ثم نظر إلى وجوههم وقال بثقة وحكمة: “ماذا تقولون؟ تقولون إني لا أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى؟ إني إذاً لجاهل”.
ثم أمرهم قائلاً: “فرقوهم وغطوا رؤوسهم”، فأُقيم كل رجل منهم إلى أسطوانة من أساطين المسجد ورؤوسهم مغطاة بثيابهم لقطع التواصل بينهم. وبعد ذلك، دعا بكاتبه عبيد الله بن أبي رافع وقال له: “هات صحيفة ودواة”، وجلس الإمام في مجلس القضاء والناس حوله، ثم قال للناس: “إذا أنا كبّرت فكبّروا”، وهي وسيلة نفسية ذكية للتأثير على المتهمين وبث الرهبة في نفوسهم لانتزاع الاعتراف.
ثم أمر الناس بالخروج، ودعا بواحد منهم فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه، وأمر عبيد الله بكتابة إقراره وما يقول، وأخذ يسأله بدقة متناهية عن تفاصيل السفر: “في أي يوم خرجتم من منازلكم وأبو هذا الفتى معكم؟… وفي أي شهر؟… وفي أي سنة؟… وإلى أين بلغتم في سفركم حتى مات؟… وفي منزل مَن مات؟… وما كان مرضه؟… وكم يوماً مرض؟… ففي أي يوم مات؟ ومن غسّله؟ ومن كفّنه؟ وبما كفنتموه؟ ومن صلى عليه؟ ومن نزل قبره؟”.
فلما أتمّ الإمام أسئلته المستقصية لكل صغيرة وكبيرة، كبّر أمير المؤمنين (ع)، فكّبر الناس جميعاً بصوت واحد، وفور سماع التكبير ارتاب الباقون وظنوا بلا شك أن صاحبهم قد أقرّ عليهم وعلى نفسه بالجريرة. فأمر الإمام بتغطية رأسه وإرساله إلى السجن، ثم دعا بآخر فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه وقال: “كلا، زعمتم أني لا أعلم ما صنعتم؟”، فقال الرجل منهاراً: “يا أمير المؤمنين، ما أنا إلا واحد من القوم، ولقد كنتُ كارهاً لقتله”، فأقرّ بالجرائم. ثم دعا بالبقية تباعاً فقرّوا جميعاً بالقتل وأخذ المال، فألزمهم الإمام المال والدم بحق وحقيق.
المحاسبة الصارمة لرجال الأمن وحفظ هيبة العدالة
إلى جانب التنظيم الإداري والأمني المتقن لجهاز الشرطة وتطوير وظيفة (صاحب الشرطة) في خلافته، أرسا الإمام علي (ع) منهجاً حاسماً لا يساوم في المحاسبة الدقيقة لمن يتولى المسؤولية الأمنية فيما لو صدر منه أي خلل أو تعدٍّ على حقوق الناس.
فقد ورد في الأثر أن أمير المؤمنين (ع) بعث إلى لبيد بن عطارد التميمي ليجيء به، فمرّ الرجل في طريقه بمجلس من مجالس بني أسد، وكان فيه نعيم بن دجاجة، فقام نعيم وخلّص الرجل من أيدي الجند. فأتوا علياً (ع) وأخبروه قائلين: “أخذنا الرجل فمررنا به على نعيم بن دجاجة فخلّصه، وكان نعيم من شُرطة الخميس”، فغضب الإمام وقال: “عليَّ بنعيم”، وأمر أن يُضرب ضرباً مبرِّحاً لتجاوزه النظام والقانون.
فلما أُخذ وولُّوا به، قال نعيم متذمراً: “يا أمير المؤمنين، إنّ المُقام معك لذلّ، وإن فراقك لكفر”، فقال الإمام بحزم المصلح: “إنه لكذلك؟”، قال نعيم: “نعم”، فقال الإمام بلا تهاون ولا تردد: “خلّوا سبيله”.
هذا الموقف يعكس بوضوح الثمن الباهظ الذي كان يدفعه الإمام نتيجة محاصرته للمخالفين وحرصه على سيادة القانون، وهو أمر قد يجر أحياناً إلى تمرد الشخص أو لحاقه بالأعداء كما حدث في مواقع أُخرى، أو قد يثير حمية العشيرة والقبيلة. ورغم كل ذلك، لم يتهاون الإمام لحظة واحدة في تطبيق العدل، لأن جوهر المسألة يكمن في أنه لو فسد مَن يُفترض به أن يكون هو مصدر الأمن والامان والمحافظ عليه، فكيف يمكن تحقيق الاستقرار في المجتمع؟ وكما جاء في الحكمة الخالدة للسيد المسيح (ع): (لو فسد الملح فبماذا يُملَّح؟).

