الآيات 30 -36 من سورة فصلت، تبيّن قيمة الإيمان، والثبات عليه، وتقديم التضحيات في طريقه، وأثر ذلك أخروياً، وانعكاس ذلك على سلوك المؤمن.

• إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ: تعبير مختلف عمّا اعتدنا عليه في القرآن حيث يقول: (إن الذين آمنوا) -على سبيل المثال- وهو يعكس حالة من التصريح والإعلان من جهة، والارتباط العملي بالله بوصفه الرب الذي يرعى شؤونَهم، وحده، لا كما يقول المشركون، بل كما قال إبراهيم (ع): (ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ، وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ، وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ، وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ) [الشعراء:78-81].

• ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ: فلم يغيروا ولم يبدّلوا ولم يتنازلوا مهما كانت الضغوطات والتحديات.

• ويُفهَم من الرواية التالية أن هذه الاستقامة ليست فقط على مستوى أصل الإيمان فحسب.

ففي (نهج البلاغة) أنه (ع) قال بعد أن ذكر الآية: (… وقد قلتم: [ربُّنا اللّهُ]، فاستقيموا على كتابه، وعلى مِنهاج أمْرِه، وعلى الطّريقة الصّالحة من عبادته، ثمّ لا تمْرُقُوا منها، ولا تبتدعوا فيها، ولا تُخالِفوا عنها؛ فإنّ أهل المُروقِ مُنْقطعٌ بهم عند الله يوم القيامة).

تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ 30: ليس وحياً، بل نحو من التسديد والتثبيت الخفي الذي لا يُرى ولا يُسمع، ولكن يجد المؤمنُ أثرَه… أو أن هذا ما يشهده هؤلاء المؤمنون في الآخرة، ليزيلوا مخاوفَهم، ويبشرونهم بالجزاء الأوفى.

وليس هذا بغريب فقد كلّف الله الملائكة -من قبل- برعاية المؤمنين وتسديدهم في الحياة الدنيا، كما كلّفهم بالبشارة في الآخرة: (نحْنُ أوْلِياؤُكُمْ فِي الْحياةِ الدُّنْيا وفِي الْآخِرةِ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ 31) كل ما تطلبون وكلُّ ما يخطر في بالكم.

(نُزُلاً مِنْ غفُورٍ رحِيمٍ 32) فالله هو من أعدّ لكم كلّ هذا النّعيم، وأنزل عليكم هذه الرّحمة.

إنهم يستحقّون هذه الرعاية الخاصة، وهذا العطاء الإلهي العظيم، لأنهم قالوا أحسن القول وعملوا أحسن العمل: (وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 33).

فعلى المستوى الفكري، فإنّ هذا المؤمن كما يريد الله، وعلى مستوى الشعور والحب والبغض، هو كما يريد الله، وعلى مستوى العمل والسلوك، هو كما يريد الله.

وواحدة من انعكاسات هذا التسليم والانسجام العملي والسلوكي مع ما يريده الله يتمثّل في الموقف الذي يتخذه الإنسان عندما تقع النزاعات والخلافات البينية في المجتمع.

اشتعال الخصومات وتباين المسارين حين تدب الخلافات بين الناس، قلّما تقف عند حدود التباين الفكري أو التنازع الموضعي؛ إذ سرعان ما تثور المشاعر وتلتهب الانفعالات، فيقع الاشتباك، وتتعقد المواقف تدريجياً حتى تنقلب إلى خطر داهم يهدد نسيج العلاقات الإنسانية في المجتمع، ويدفع باتجاه صدام يمس أمن الجميع ويقطع أواصر التواصل والتراحم.

وأمام هذا المشهد المتوتر، يبرز منهجان متضادان في التعامل، لا يمكن أن يلتقيا في أصل ولا ثمرة، كما قرر القرآن الكريم: {وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ} [فصلت: 34]:

  • مسار السيئة: أسلوب انفعالي هدام يغذي الأحقاد ويؤجج نيران العداوة والبغضاء، دافعاً العلاقات نحو القطيعة الكاملة؛ وهو مسار يتكئ على الكلمة العنيفة، والإساءة المقابلة، ومواقف الخذلان.
  • مسار الحسنة: منهج واعٍ وبناء يعتمد الكلمة الطيبة الرصينة، ويلتف على المشاعر السلبية المتأججة بمشاعر إيجابية مضادة، مقدماً يد العون والمبادرة لاحتواء الأزمة.

الخيار الإلهي وفلسفة المفاجأة في «فَإِذَا» أمام هذين الطريقين، يحدد الوحي الخيار الإلهي المتناسب مع حقيقة الإيمان والمدعوم بالتسديد الملائكي: {ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ} [فصلت: 34].

وتتجلى النتيجة الحتمية لهذا السلوك النبيل على أرض الواقع في الإعجاز القرآني: {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].

إن استخدام حرف المفاجأة «فَإِذَا» يعكس حجم الصدمة الإيجابية والانقلاب النفسي المذهل الذي يُحدثه هذا الموقف الأخلاقي الرفيع في وجدان الخصم؛ فهو سلوك استثنائي لا يصدر عن كل أحد، وقادر على تفكيك أعتى جدران الكراهية وتحويل العدو اللدود إلى نصير مخلص وصديق حميم.

كلفة التحمل وجهاد النزعات النفسية لم يكن هذا الخيار يوماً سهلاً ولا بسيط المنال؛ بل هو مسار شاق يتطلب جهداً نفسياً وفكرياً وعملياً بالغ التعقيد. فنوازع النفس الأمارة بالسوء، والشهوة العارمة للتشفي، ورغبة الانتقام والأخذ بالثأر، إلى جانب وساوس شياطين الجن والإنس، كلها عوامل ضاغطة تدفع الفرد بقوة نحو الرد بالمثل وتبني مسار السيئة والقطيعة.

وهنا تبرز دقة التشخيص القرآني لشروط بلوغ هذه المرتبة: {وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [فصلت: 35-36]؛ فالأمر رهن بالصبر العالي وتوفيق إلهي عظيم، مستوجباً الاستعاذة الدائمة من وساوس التحريض والفرقة.

صراع المشاريع: الغاية الإلهية في مقابل الكيد الشيطاني يأتي اعتماد «الدفع بالتي هي أحسن» كأولوية تشريعية؛ لأن الإرادة الإلهية تهدف إلى تقليص دائرة النزاعات وتصفير الخصومات بين البشر قدر الإمكان، وتحويل المجتمعات الإنسانية إلى واحات يسودها السلم، والأمان، والتعارف التكاملي: {وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ} [الحجرات: 13].

ومن هنا يتضح جوهر الصراع بين رؤيتين:

  • المشروع الإلهي: يخدمه كل من يختار الدفع بالأحسن، لإشاعة المحبة وبناء السلم الأهلي والتكامل المجتمعي.
  • المشروع الشيطاني: يغذيه كل من يستجيب للنزاع والعنف والخذلان؛ إذ ينحصر هدف إبليس في تقويض السلام وتأجيج الأحقاد، كما كشفه النص القرآني: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ} [المائدة: 91].

تجسيد حي من مدرسة العترة: موقف الإمام السجاد في واقعة الحرة قدم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أروع النماذج العملية الشاخصة لهذا الخلق الرباني، وطبقوه بأعلى درجات السمو حتى مع أشد الناس عداوة وإساءة لهم، مسجلين مواقف أدهشت القريب والبعيد وخلدها التاريخ بمداد من نور.

ومن أبرز هذه الشواهد ما سجله المؤرخ الطبري في تاريخه قبيل اندلاع واقعة الحرة، حين ثار أهل المدينة المنورة وطردوا ممثلي الحكم الأموي، وضاق الخناق على مروان بن الحكم—بكل ما يحمله سجله وتاريخه من عداء صريح وظالم لأهل بيت النبوة—فلم يجد ملاذاً ولا مأمناً لحماية نسائه وأطفاله من الهلاك والأذى إلا دار الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع).

روى الطبري في أحداث سنة 63 هجرية:

«لَمَّا أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَلَّمَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ ابْنَ عُمَرَ أَنْ يُغَيِّبَ أَهْلَهُ عِنْدَهُ، فَأَبَى ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَفْعَلَ، وَكَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، وَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنَّ لِي رَحِماً، وَحُرَمِي تَكُونُ مَعَ حُرَمِكَ، فَقَالَ: افْعَلْ. فَبَعَثَ بِحُرَمِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَخَرَجَ بِحُرَمِهِ وَحُرَمِ مَرْوَانَ حَتَّى وَضَعَهُمْ بِيَنْبُعَ».

تسامى الإمام السجاد (ع) فوق الجراح ومشاعر الثأر والتاريخ المشحون بالعداء، وفتح بابه لإيواء حُرَم عدوه وتأمينهن في ينبع، مجسداً أعلى مراتب «ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ».

وقد أحدث هذا النبل الأخلاقي تحولاً عميقاً وصادماً في موقف مروان تجاه الإمام، كما أثبت الطبري وغيره من أصحاب السير بقولهم: «وَكَانَ مَرْوَانُ شَاكِراً لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ»، حتى إنه أوصى ابنه عبد الملك برعاية هذا الجميل وحفظ حق الإمام؛ لتتحقق المعادلة الإلهية الصادقة: {فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.

إن هذا التلاقي العملي بين هدي القرآن وسيرة العترة الطاهرة يقدم للأمة الدرس البليغ المستقى من الثقلين في كيفية إطفاء نار الفتن، وبناء مجتمع إنساني تحكمه الفضيلة وتتساقط فيه مساحات الضغينة أمام عظمة العفو والدفع بالأحسن.

الشيخ علي حسن

View all posts