حقيقة الإيمان: رحمةٌ وتعايش لا كراهية وقطيعة

(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) [الفتح:29].

الآية ليست بصدد بيان أن الإيمان بالرسالة المحمدية يعني النفور من الناس الذين لا يشتركون معي في القناعات الإيمانية، كما لا يعني أن أحمل حقداً تجاههم. بل الإيمان -كما في العديد من الآيات الأخرى- يعني أن أعيش الإحساس بالمسئولية تجاههم، وأن أعيش الرغبة الصادقة في أن ينالهم من الخير ما وُفِّقتُ له، وأن تغمر قلبي المحبة الإنسانية الفطرية التي تمكّنني من أن أتعايش معهم بصورة تلقائية طبيعية.

مدرسة أهل البيت والإحسان للآخر المختلف

روى الكليني عن مصادف قال: (كنت مع أبي عبد الله ع) بين مكة والمدينة فمررنا على رجل في أصل شجرة وقد ألقى بنفسه فقال: مِل بنا إلى هذا الرجل فإني أخاف أن يكون قد أصابه عطش، فملنا فإذا رجل من الفراسين) قبيلة نصرانية (طويل الشعر فسأله: أعطشان أنت؟ فقال: نعم. فقال لي: انزل يا مصادف فاسقه فنزلت وسقيته، ثم ركبت وسرنا فقلت: هذا نصراني، فتتصدق على نصراني؟ فقال: نعم إذا كانوا في مثل هذا الحال).

هكذا استطاع النبيصلى الله عليه وآله من قبل أن يهدي المشركين وغيرهم إلى الإسلام، ولو كان فظاً غليظ القلب لما تحقق ما تحقق، ولو لم يكن على خلق عظيم مع كل الناس لما استطاع أن يهديهم إلى الإسلام، والله يقول: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(الأنبياء:107) ولم يقل للمؤمنين خاصة.وأما قوله تعالى: (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ) فإنما تتحدث عن طبيعة علاقة المؤمنين بالكافرين المحاربين وفي أجواء الصراع والمؤامرات والكيد، لا في أجواء التعايش السلمي.

خطر الحماسة العاطفية والانحراف نحو التكفير

ولكن قد يستغرق البعض في تدينهم، وتأخذهم الحماسة الإيمانية، وتتغلب عندهم العاطفة على العقل، ليتحوّل مَن يكون في الجهة المقابلة من الإيمان شيطاناً لابد من الاحتراس منه، وعدواً لابد من محاربته، متصورين أن هذا نوع من التعبير عن الإخلاص لله والذوبان في محبته والاندكاك في العقيدة. ولربما يترجم هذه الفكرة الخاطئة إلى سلوك عنيف، فيلحق الضرر بنفسه وبدينه والآخرين. ولا تتوقف المسألة لدى هذا النموذج -عادةً- عند هذا الحد، بل تتعداه لتتوجه نحو العناوين المختَلف عليها داخل الدين الواحد والمذهب الواحد، فيعادي ويتطرف تجاه الآخر.

اطلعت ذات مرة على قائمة لمسوِّغات التكفير عند إحدى الفرق الإسلامية، ومما جاء فيها أنه لو انتمى أحدٌ ما لجماعتهم، ولكنه ادعى أن آباءه ماتوا على الإسلام، فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا ضُربت عنقُه وصار مالُه فيئاً للمسلمين. ولذا، فإن بعض حجاج بيت الله الحرام الذين كانوا يتعرضون إلى غاراتهم لجأوا إلى ادعاء الكفر وأنهم يريدون أن يسلموا على أيديهم ليحقنوا بذلك دماءهم ويُكملوا الطريق لأداء المناسك!

مواجهة الإمام الصادق (ع) للغلو الداخلي

هذا النموذج المتطرف في أفكاره ومواقفه تجده في كل زمان وبكل لباس. في الكافي عن هاشم صاحب البريد أنه مع اثنين آخرين اجتمعوا وتناقشوا في شأن من ليس بشيعي، فانقسموا بين متطرف وأقل تطرفاً ومعتدل في رأيه، فلما كان موسم الحج التقوا بالإمام الصادق وسألوه عما اختلفوا بشأنه، فقالعليه السلام: (ما تقولون في خدمكم ونسائكم وأهليكم أليس يشهدون أن لا إله إلا الله؟ قلت: بلى، قال: أ ليس يشهدون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قلت: بلى، قال: أليس يصلون ويصومون ويحجون؟ قلت: بلى، قال: فيعرفون ما أنتم عليه؟ قلت: لا، قال: فما هم عندكم؟ قلت) والكلام للمتطرف (مَن لم يعرف هذا الأمر فهو كافر. قال: سبحان الله أما رأيت أهل الطريق وأهل المياه؟ قلت: بلى، قال: أليس يصلون ويصومون ويحجون؟ أ ليس يشهدون أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ قلت: بلى، قال: فيعرفون ما أنتم عليه؟ قلت: لا، قال: فما هم عندكم؟ قلت: مَن لم يعرف هذا الأمر فهو كافر. قال: سبحان الله! أما رأيت الكعبة والطواف وأهل اليمن وتعلّقَهم بأستار الكعبة؟ قلت: بلى، قال: أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله ويصلّون ويصومون ويحجون؟ قلت: بلى، قال: فيعرفون ما أنتم عليه؟ قلت: لا. قال: فما تقولون فيهم؟ قلت: مَن لم يعرف فهو كافر. قال: سبحان الله هذا قول الخوارج، ثم قال: إنْ شئتم أخبرتُكم) الآن لاحظ ردّ هذا الشخص المتطرف الذي يدّعي أنه من شيعة الصادق (فقلت أنا: لا) لا يريد أن يسمع الموقف السليم لأنه يعارض متبناه وتطرفه وتعصبه (فقال: أما إنّه شرٌّ عليكم أن تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا).

مآلات العنف الروحي والسلوكي

وهناك عدة مخاطر يمكن أن تترتب على مثل ها العنف الروحي والتطرف السلوكي:

1. أن يُستغل من قبل البعض لتسخير أصحابه ليكونوا وقوداً للصراعات.

2. أن يدفع صاحبَه للتلاعب بالمبادئ الإسلامية من خلال تحريف الكلم عن مواضعه، وتأويل النصوص لتتماشى مع الروحية الانفعالية.. فالغاية بالنسبة إليهم تبرر الوسيلة غير الشرعية.

3. أن يتم التركيز على مواطن محدّدة في الموروث التاريخي المليء بصور الصراعات وإعادة عرضها، فيزيد من الاحتقان المتراكم ويغذّيه ويضفي عليه قداسة.

سُنة الاختلاف ومنهج الدعوة بالحكمة والمحبة

لقد أرسل الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، وجعل الاختلاف سنّة الحياة، وهو القائل: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) [هود:118]، ومسئوليتنا أمام هذه الاختلاف هو الدعوة بالأسلوب الأمثل، وهو القائل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)[النحل:125]، وتبقى مسئولية المحاسبة والثواب والعقاب على الله، فهو الأعلم بأوضاع الناس وما يُسِرّون، وهو القائل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات:13]. ولنتذكر دائماً أن القلب الذي لا يُحب، ولا يريد الخير للآخرين، لا يستطيع أن يهديهم.

الشيخ علي حسن

View all posts