يتساءل بعض الباحثين والمتابعين في قراءة مسار التاريخ الإسلامي: لماذا لم يحتج الإمام علي بن أبي طالب (ع) بما جرى في يوم غدير خم لتقرير حقه وموقعه؟ ولماذا لا نجد لهذا الحدث ذكراً صريحاً في دفات كتاب “نهج البلاغة”؟ وهل يعود ذلك الغياب إلى أن الواقعة لم تحدث أصلاً، أم لأنها كانت عابرة لا ترقى إلى مستوى الدلالة التأسيسية؟

وتأتي الإجابة العلمية القاطعة ليس من كتب الشيعة ومصادرهم فحسب، بل من خلال ما حققه ودونه علماء الحديث في المدرسة السلفية؛ حيث أورد المحدث ناصر الدين الألباني في موسوعته الحديثية الشهيرة “سلسلة الأحاديث الصحيحة” تحت الرقم 1750 نصاً تاريخياً حاسماً بسند صحيح، يوثق مناشدة الإمام العلنية واحتجاجه المباشر بتلك الواقعة أمام جموع الأمة.

واقعة الرحبة في الرواية الحديثية المعتبرة

يروي الصحابي الجليل أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني -وهو من أعيان وسادات قومه وممن أدرك رسول الله (ص) وعايش خلافة الإمام علي بالكوفة قبل أن ينتقل إلى مكة ويتوفى بها- تفاصيل هذا المشهد التاريخي قائلاً: “جمع علي رضي الله عنه الناس في الرَّحبة”، والمقصود بالرحبة هنا هو الصحن المكشوف والساحة الفسيحة لمسجد الكوفة المعظم؛ ثم أطلق الإمام نداءه الصادع قائلاً: “أُنشد اللهَ كلَّ امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما سَمِعَ، لما قام”.

فاستجاب لندائه على الفور ثلاثون صحابياً -وفي روايات أخرى قام جمع غفير- فشهدوا جميعاً أمام الناس بأن النبي (ص) أخذ بيد علي بن أبي طالب رافعاً إياها، ثم خاطب الحشود المتراصة: “أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كنت مولاه، فهذا مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه”.

ويكمل أبو الطفيل واصفاً وقع هذه الشهادة في نفسه: “فخرجْتُ وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيتُ زيد بن أرقم” -وهو الصحابي الأنصاري الخزرجي المعروف الذي سكن الكوفة حتى وفاته سنة 66 هجرية- فقلت له: “إني سمعت علياً يقول كذا وكذا، فقال زيد مؤيداً ونافياً لأي ريب: فما تُنكِر؟ قد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك له!”.

وقد وثّق الألباني تخريج هذا الحديث بأسانيد متعددة، مبيناً أنه أخرجه أحمد في المسند، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي عاصم، والطبراني، والضياء المقدسي في “المختارة”، جازماً بأن “إسناده صحيح على شرط البخاري”، وهي الدرجة العليا من التوثيق الإسنادي؛ كما نقل إقرار الحافظ الهيثمي في “مجمع الزوائد” بأن رجال الحديث هم رجال الصحيح خلا فطر بن خليفة، وهو ثقة معتمد.

البواعث السياسية والظرف المكاني لمناشدة الرحبة

تكشف قراءة هذا الخبر عن جملة من الدلالات التاريخية والسياسية المفصلية؛ فهذه المناشدة التي عُرفت في كتب الآثار بـ “حديث يوم الرحبة” جرت وقائعها بعد سنة 35 للهجرة، وذلك عقب انتقال أمير المؤمنين (ع) إلى الكوفة واتخاذها مقراً لحكمه إثر معركة الجمل.

ويرتبط سبب هذه المناشدة العلنية بأن الإمام كان قد تحدث مراراً عن مكانته وتقديم النبي (ص) له على سائر الأمة، وتناقل الناس تلك الكلمات التي دون الشريف الرضي بعض مقاطعها في نهج البلاغة كالخطبة الشقشقية وغيرها؛ وهي تصريحات أطلقها الإمام صيانةً لموقفه الشرعي ودفاعاً عن حقه في ظل اضطرابات عاصفة قادت إلى حرب الجمل، وكانت تنذر باندلاع حربي صفين والنهروان.

وينبغي استحضار الطبيعة السكانية لمجتمع الكوفة آنذاك؛ فالإمام كان وافداً على مصرٍ جديد لم يدرك السواد الأعظم من أبنائه عهد النبوة، ولم يكونوا يعرفون علياً إلا من خلال الشائعات الممزوجة بالدعايات المتباينة.

وأمام محاولات التشكيك والاتهام التي طالت الإمام فيما يرويه عن خصائصه واستحقاقه للولاية والحاكمية، لم يكن أمام أمير المؤمنين بدٌّ من الخروج إلى رحبة المسجد لمناشدة شهود العيان؛ لا طلباً لرفعة دنيوية أو تبجحاً بمنزلة، بل إحقاقاً للحق ودفاعاً عن الوعي الديني من التزوير، فوقف ثلاثون صحابياً ممن عايشوا حجة الوداع ليؤكدوا الواقعة بأعينهم وأسماعهم.

طبيعة نهج البلاغة وتهافت شبهة التجاهل

يدحض هذا التوثيق الإسنادي الشبهة المتهافتة حول عدم احتجاج الإمام بحديث الغدير أو خلو التراث المكتوب من ذكره؛ أما الزعم بعدم وروده في “نهج البلاغة”، فينم عن جهل بطبيعة هذا السفر وغايته التدوينية.

فالشريف الرضي لم يجمع هذا الكتاب ليكون موسوعة جامعة ومحيطة بكل ما صدر عن علي بن أبي طالب من خطب ووصائل ورسائل، بل كان غرضه أدبياً بلاغياً صرفاً، حيث اقتنص الشذرات والقطع التي بلغت ذروة الفصاحة والبيان العربي دون استقصاء تاريخي كامل، وتراث الإمام الحافل بالاحتجاج بحديث الغدير مبثوث في سائر المسانيد والتواريخ المعتمدة.

أمانة الشهادة وميزان القسط الأخلاقي

إن واقعة الغدير ومناشدة الرحبة تضعان الأمة أمام درس أخلاقي وإيماني عظيم يتصل بأمانة نصرة الحق وصدق الشهادة؛ مصداقاً للتوجيه الإلهي الصارم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]. فالعدل يقتضي تجريد الشهادة من التأثيرات الطبقية والاجتماعية، ونصرة المستضعف صاحب الحق أياً كان موقعه أمام سطوة الوجاهة والنفوذ.

إن ما جرى في يوم الغدير يُعد من المسلمات التاريخية المتواترة التي لا تدع مجالاً للشك وإن تباينت التأويلات في مقاصد اللفظ النبوي الشريف؛ وحين ناشد الإمام أصحاب النبي في رحبة الكوفة، تسابق ثلاثون منهم لإبراء ذممهم بالحق، بينما آثر البعض السكوت نكوصاً ومواربة.

وقد يستهجن المرء اليوم صمت أولئك الناكصين في ذلك المحضر، غير أن المحك الحقيقي يواجهنا في واقعنا المعاش: ماذا سيكون موقفنا لو دُعينا لإقامة شهادة حق تترتب عليها مساءلة أو خسارة لأقرب المقربين إلينا من أب أو أخ أو ابن؟

إن صدعنا بالحق دون مواربة، كنا على نهج علي وأولئك الصادقين الذين أدوا أمانتهم في يوم الرحبة ولم تأخذهم في الله لومة لائم؛ أما إن زلت القدم وجاملنا بالباطل رفعاً للحرج أو انتصاراً للعصبية والقرابة، فإننا نكون قد سقطنا في ذات الفتنة التي سقط فيها الساكتون عن إعلان الحق في ذلك الموقف التاريخي.

الشيخ علي حسن

View all posts