يمثّل السلم الأهلي أحد المقاصد الشرعية الكبرى والغايات العليا في المنظور الإسلامي؛ إذ يتجاوز في مفهومه العميق مجرد الهدنة الظاهرية أو غياب النزاع المسلح، ليكون حالة استقرار شاملة وتعايشاً آمناً بين مكونات المجتمع، يظللها الأمان النفسي والتماسك الاجتماعي.

وتتأكد هذه القيمة الرسالية في التطبيقات العملية لأهل البيت (ع)، وتحديداً في سيرة الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)؛ ففي الكافي بسنده عن صفوان الجمال، قال: وقع بين أبي عبد الله وبين عبد الله بن الحسن كلام حتى وقعت الضوضاء بينهما واجتمع الناس. وعبد الله بن الحسن بن الحسن (المحض) حفيد الإمام المجتبى (ع) كان يكبر الإمام سناً، ويُعد كبير بني علي في زمانه، متزعماً حراكاً ضد بني أمية، وقد اغتر بوعود بني العباس له ولابنه محمد ذي النفس الزكية، فلما حذره الإمام الصادق (ع) من الوقوع في تلك الحبال ورفض الانخراط في مشروعه، ظن به عبد الله سوءاً واتهمه بالحسد، وتصاعد الجدال بينهما حتى افترقا عشيتهما على ذلك المشهد المؤلم.

ويروي صفوان الجمال الأثر الأخلاقي العظيم في صبيحة اليوم التالي قائلاً: غدوتُ في حاجة، فإذا أنا بأبي عبد الله الصادق (ع) على باب عبد الله بن الحسن وهو يقول: “يا جارية، قولي لأبي محمد”. فخرج عبد الله مستغرباً: “يا أبا عبد الله، ما بكّر بك؟”، فقال الإمام (ع) بنبل العاشقين لمرضاة الله: “إني تلوت آية في كتاب الله عز وجل البارحة فأقلقتني!”، فقال: وما هي؟ قال: قول الله عز وجل ذكره: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21]، فما كان من عبد الله إلا أن انكسرت حدته وأجاب معترفاً: “صدقتَ، لكأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله قط”، فاعتنقا وبكيا.

فقه المبادرة وتفكيك الهجران في الرؤية الصادقية

يضع الإمام الصادق (ع) في وصيته للمفضل بن عمر أصلاً تربوياً حاسماً لقطع دابر الشقاق في المجتمع، حيث يقول: “لا يفترق رجلان على الهجران إلا استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربما استحق ذلك كلاهما”، فلما سأله معتّب مستفهماً عن علة مؤاخذة المظلوم مع وضوح مظلوميته، أجابه الإمام (ع) بدقة بالغة: “لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته، ولا يتغافل عن كلامه. سمعت أبي يقول: إذا تنازع اثنان، فعاد أحدهما الآخر، فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول لصاحبه: أي أخي، أنا ظالم؛ حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، فإن الله تبارك وتعالى حكم عدل، يأخذ للمظلوم من الظالم”. فالإقرار الصوري بالظلم هنا لا يغير من استحقاق الحق شيئاً، بل هو تضحية لفظية واعية لنزع فتيل القطيعة وحفظ المودة.

ويتأكد هذا المعنى في كتاب (كشف الغمة)؛ إذ شكى رجل للإمام الصادق (ع) منازعة وقعت بينه وبين قوم في أمر، معرباً عن رغبته في التنازل عنه تلافياً لتفاقم الأزمة، لكنه يتردد لأن الناس يصفون تركه للحق بالمذلة والضعف، فأجابه الإمام بحكمة قاطعة: “إن الذليل هو الظالم”، مؤيداً موقفه النبيل في التنازل، ومؤصلاً للحديث النبوي: “والعفو لا يزيد العبد إلا عزاً، فاعفوا يُعزّكم الله”.

ويمتد هذا النبل الإيماني ليتجاوز إسقاط الخصومة إلى الدعاء للمسيء؛ ففي (منتهى الآمال) أن رجلاً أتى الإمام الصادق (ع) مخبراً إياه بأن ابن عمه نال منه وسبه بأقذع الألفاظ، فما كان من الإمام إلا أن دعا بماء فتوضأ وانصرف إلى محرابه، فظن الراوي أنه سيدعو عليه جزاء بجاحته، فلما فرغ من ركعتيه رفع يديه متضرعاً: “يا رب، هو حقي قد وهبتُه، وأنت أجود مني وأكرم، فهبْه لي، ولا تؤاخذه بي، ولا تقايسه”، ملتمساً له النجاة من دقة الحساب والمؤاخذة الإلهية.

التأصيل القرآني لمسار التهدئة والمجادلة بالتي هي أحسن

شكلت الدعوة إلى السلم وتفادي الاحتكاك العقيم الركيزة الأولى في المرحلة المكية؛ حيث واجه النبي (ص) والقلة المؤمنة شتى صنوف الاستفزاز العقائدي والاجتماعي، فجاءت التوجيهات الربانية لبناء جدار وقائي يحفظ الجماعة ويصون السلم المجتمعي: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]، ورسمت سمات عباد الرحمن في قولـه: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]، وأثنت على من يقابلون اللغو بالترفع: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55].

وتقرر المنهج الأخلاقي العام في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، وبلغ ضبط النفس ذروته بالنهي عن النيل من مقدسات المخالفين سداً لذرائع التنابذ: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]؛ فالسباب لا يولد إلا شتيمة مضادة، والرديء من القول لا يثمر إلا انحداراً يضرب السلم الأهلي في الصميم. وحين تلح النزعة الذاتية برفض التغافل خشية اتهام المرء بالجبن أو الضعف، يأتي التذكير الإلهي بالصفح الموصول بالآخرة: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85].

وتواصل هذا النهج في العهد المدني، مرسخاً الصبر على الأذى في مجتمع التعددية والتعايش: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186]، بل شرعت التقية وسيلة استثنائية لدرء الشرور وصيانة الدماء: {إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]، ليظل الأصل الإنساني الجامع هو التعارف والتكامل: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13].

قواعد التماسك في الدائرة الإيمانية

أما في الفضاء الداخلي للمؤمنين، فقد وضع القرآن الكريم ثلاث خطوات استراتيجية لصيانة التماسك والوحدة:

أولها إرساء البناء الوجداني الموحد على قاعدة الأخوة والاعتصام المشترك: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].

وثانيها تفعيل آليات الوقاية الاستباقية لقطع دابر الشائعات وسوء الظن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

وثالثها المسارعة إلى التدخل الإيجابي لإخماد النزاعات قبل تفاقمها، سواء في المحيط الأسري الضيق بكسر دوافع الشح والأنانية: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128]، أو في الدائرة المجتمعية الأوسع بإصلاح ذات البين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].

مرتكزات السلم ومسؤولية البناء المشترك

ينهض السلم الأهلي المستدام في أي مجتمع على جملة من الأركان والمسؤوليات؛ في طليعتها ترسيخ ثقافة التعايش مع الاختلاف وقبول الآخر المتمايز فكرياً أو مذهبياً في إطار الاحترام المتبادل، وإرساء سيادة القانون العادل الذي يحمي كرامة الجميع ويجتث جذور التعصب، إلى جانب استشعار المسؤولية التضامنية المشتركة بين الفرد والأسرة ومؤسسات المجتمع وأجهزة الدولة.

إن إدراك خطورة الكلمة وأثرها التدميري يفرض الحذر البالغ من نزغات الفتنة، كما نبه تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء: 53]؛ فالكلمة الطيبة شجرة ثابتة الأركان تؤتي ثمار الأمان، والنزول عند مقتضيات السلم وتقديم التنازلات الواعية ليس هزيمة للذات، بل هو عين الحكمة ورأس التقوى، وصيانة لمستقبل الأجيال في ظل مجتمعات تتكامل بتنوعها وتسمو بوحدتها.

الشيخ علي حسن

View all posts