كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) رائد الوحدة الإسلامية بلا منازع؛ إذ وضع مصلحة الإسلام والأمة فوق كل اعتبار، متجاوزاً الخلافات والمواقف السلبية التي مست شخصه الكريم، صيانةً لمشروع الرسالة المحمدية الذي نذر نفسه لحمايته وأداء أمانته.

وتتجلى هذه الرؤية الاستراتيجية في كلماته الخالدة بنهج البلاغة: “لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي، وَوَاللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ”.

البصيرة الحاكمة وأولويات الوجود

يؤصّل الإمام (ع) لمعيار المفاضلة بين الحقوق الذاتية والمصالح الكبرى للأمة حين ترنو إليها المخاطر وتتهدد كيانها؛ إذ يقول واصفاً موقفه التاريخي: “فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّدٍ [ص]، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ”.

إن هذا النزول عند متطلبات حفظ البيضة وصيانة الدين يقدم درساً عملياً لكل مجتمع يواجه التحديات، بأن التماسك الداخلي هو خط الدفاع الأول الذي تسقط دونه سائر الخلافات الجزئية.

صيانة البيت الداخلي واستحقاقات اللحظة الراهنة

في ظل الظروف الدقيقة والاستثنائية التي تمر بها دولة الكويت والمنطقة بأسرها، تشتد الحاجة إلى استلهام هذا الوعي العلوي لحماية النسيج المجتمعي، وسد الثغرات أمام المتربصين الذين يسعون لتمزيق الصفوف وإشعال العصبيات الطائفية والفئوية.

ويفرض هذا الواجب الوطني والأخلاقي التمسك الصارم بوحدة الصف ونبذ الاستجابة لأي استفزاز يُثار بجهل أو عمد؛ فحماية المجتمع من نبرات التخوين، والطرح العنصري، والتقسيم المذهبي ليست مجرد خيار عاطفي، بل فريضة حتمية تستلزمها المصلحة العليا واستقرار الأوطان.

الوعي المجتمعي في مواجهة الشائعات والهلع

تستدعي إدارة الأزمات انضباطاً جمعياً يبدأ بالتحصن ضد الأكاذيب؛ فتجنب الانسياق وراء الشائعات والامتناع عن إعادة نشرها ضرورة لازمة، لما تمثله الحرب النفسية من تهديد مباشر للسلم الأهلي في أوقات التوتر.

ويتكامل ذلك مع الالتزام التام بالتوجيهات الصادرة عن الجهات الرسمية والأمنية، تقديماً للمصلحة العامة وضماناً لدقة التصرف وانتظام المسارات الإجرائية.

كما يجب التحلي بالاتزان والوعي الاقتصادي عبر تجنب الهلع والتزاحم غير المبرر على الأسواق والمنافذ التموينية؛ لاسيما مع التأكيدات الرسمية المتكررة على وفرة المخزون الاستراتيجي لكافة المواد الغذائية والأساسية لأشهر طويلة، واستمرار عمل مراكز البيع والخدمات بكفاءة ويسر على مدار الساعة.

الالتجاء الروحي وثقة العبور

تكتمل هذه المسؤوليات بالالتجاء إلى الله تعالى في أيام شهر رمضان المبارك ولياليه الفضيلة، رافعين أكف الدعاء والتضرع بأن يحفظ الكويت وأهلها من كل مكروه وسوء، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، مستندين بعد التوكل على الله إلى الثقة بحكمة القيادة وقدرتها على العبور بالبلاد والمجتمع إلى بر الأمان.

الشيخ علي حسن

View all posts