{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

يستوقف المتدبر في هذه الآية الكريمة تقديمُ ذكر إنزال القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك على تشريع فريضة الصيام؛ ولعل من أعمق وجوه هذا الترتيب البياني إيضاحُ أن الصيام المقصود لذاته في هذا الموسم الإلهي ليس مجرد كفٍّ عضوي عن المفطرات الحسية من طعام وشراب وملاذّ دنيوية، بل هو الصوم الذي ينسجم جوهره مع الوصفين التأسيسيين للقرآن المذكورين في صدر الآية الكريمة، فيكون وعاءً جامعاً لثمار التنزيل وأنواره.

الهداية الروحية وتزكية الوجدان

يتجسد الوصف الأول في قوله سبحانه: {هُدًى لِّلنَّاسِ}؛ فالصيام في فلسفته التشريعية مسار عملي لهداية النفس وإيقاظ فطرتها. ومن البيّن أن الإمساك المجرد عن الطعام والشراب يعجز بمفرده عن بلوغ هذه الرتبة ما لم يقترن بصوم الجوارح وبحضور فاعل لكتاب الله تلاوةً وتدبراً وعملاً، وهو الشهر الموصوف بحق بأنه “ربيع القرآن”. إن هذا التلاقي بين ترويض النفس بالصيام والاستنارة بآيات الذكر الحكيم يفجر في روع الصائم حالة من الهداية الروحية التلقائية التي تصقل وجدانه وتصله بربه.

معالم الفرقان واليقظة المعرفية

أما الوصف الثاني فيتصل بقوله عز وجل: {وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}؛ إذ تكتمل الهداية بأن يتلقى الإنسان براهين الشريعة ودلائلها البيّنة المتصلة بأركان الإيمان، وموازين العمل الصالح، ومقتضيات التقوى التي تميز بين الحق والباطل. ويفرض هذا المقصد على المقبلين على الشهر الفضيل تخصيص أوقات منتظمة لتلقي هذه البينات عبر مدارسة معاني القرآن، والاطلاع على كتب التفسير، ومتابعة المحاضرات الفكرية والتوعوية، والدروس الأخلاقية؛ لتتحول ساعات الصيام إلى مسيرة واعية قوامها البصيرة والفرقان.

نبذ التقليد والاعتصام بالوحي

إن هذا البناء المنهجي القائم على التعقل والبصيرة يشكل حصانة ضد آفات التقليد الأعمى التي نعتها القرآن بالضلال والجهالة في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]. فالصيام المقترن بالقرآن يحرر الإنسان من قوالب التبعية الراكدة، ويدفعه إلى الارتقاء في مدارج الوعي، ليتحقق المراد الأسمى من هذا الشهر: صيامٌ يُصلح النفس، وهدايةٌ تُنير العقل، وفرقانٌ يُثبّت الخطى على صراط الله المستقيم.

الشيخ علي حسن

View all posts