رُوي في نهج البلاغة أن رجلاً سأل أمير المؤمنين علياً (ع): “العدل أفضل أم الجود؟”؛ فكلاهما من الخصال الإنسانية الرفيعة التي تجذب القلوب، فالنفس تأبى الظلم وتنفر منه، وفي المقابل ترنو إلى الإحسان والعطاء وتثمنه.

وقد يميل بعض الناس في ظاهر الأمر إلى ترجيح الجود على العدل، انطلاقاً من أن الجواد متنازل عن بعض حقوقه ومؤثر بماله أو جهده للآخرين، في حين أن العادل يقف عند حدود حفظ الحقوق وموازنتها. غير أن أمير المؤمنين (ع) يقلب هذا المفهوم السطحي، مرجحاً كفة العدل بنظرة استراتيجية عميقة أصلت فلسفة الإدارة والاجتماع البشري حين قال: “العدلُ يضعُ الأمور موضِعَها، والجودُ يُخرجها من جهتِها”.

الفلسفة العلوية في موازين الإدارة والاجتماع

يقيم الإمام (ع) تفضيل العدل على مرتكزات كلية تتصل بانتظام المجتمعات؛ فبالعدل تُعطى الحقوق لأصحابها، وبه تنتظم شؤون الرعية وتتحقق الثمرات الكبرى من استتباب الأمن، ورسوخ الطمأنينة النفسية، وانطلاق مسارات التنمية والرخاء الشامل لكافة الأفراد دون استثناء. أما الجود، فرغم نبله الذاتي، فإنه يحقق الرضا لفئة جزئية محدودة، ولا يقوى بذاته على إرساء القواعد الكلية للأمان المجتمعي، بل قد ينقلب في ساحة الإدارة العامة -إن أحلّ محل الحقوق- إلى توليد الأحقاد والضغائن، وإثارة الشكوك في نزاهة المعطي، وبث مشاعر الغبن والتمييز؛ وهذا هو المقصود من قوله (ع): “والجود يُخرجها من جهتها”.

ومن هنا استأنف الإمام حكمته الخالدة مبيناً الميزان الفارق: “العدل سائس عام، والجود عارض خاص”. فالعدل يمثل الأساس الدائم والمنهجية الثابتة لإدارة شؤون الناس، سواء كان ذلك في محيط الأسرة الصغيرة، أو في إدارة المؤسسات وبيئات العمل، أو في مراكز الحكم والقيادة العليا؛ أما الجود فهو تصرف فردي ينحصر أثره في دوائر خاصة لا تصمد لإدارة الدول والمجتمعات. ومن هذا الاستقراء الدقيق يخلص الإمام (ع) إلى نتيجته الحاسمة: “فالعدل أشرفهما وأفضلهما”.

عصر الظهور في المخيال الجمعي وتأثير المرويات

يقودنا هذا التأصيل لمفهوم العدل الشامل إلى التساؤل عن الصورة الذهنية المتشكلة في الوعي الجمعي حول الإمام المهدي وحركته الإصلاحية؛ فما هي الملامح الأولى التي تتبادر إلى الذهن عند الحديث عن عصر الظهور؟ إن استقراء الخطاب الديني والموروث الروائي المتداول يكشف عن أربعة تصورات بارزة تحتاج إلى قراءة نقدية متأنية، بعيداً عن التسليم بصحتها:

يتمثل التصور الأول في صورة القائد العسكري الأسطوري الذي تُسخّر له الكرامات والخوارق ليخوض معارك كونية طاحنة يسيطر من خلالها على المعمورة بالقوة القاهرة أو الإخضاع العسكري المطلق. ويستند أصحاب هذا التصور إلى حزمة من الروايات كالمروي عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام الباقر (ع): “لو خرج قائم آل محمد معه سيف مخترَط، يفتح الله له الروم، والصين والترك، والديلم، والسند، والهند، وكابل شاه، والخزر”.

أما التصور الثاني فيرسم صورة الحاكم الباطش الذي يستهل حركته بعمليات تصفية وحشية للساحة الداخلية، فيقضي على الفاسدين والمخالفين دون محاكمات أو تحرٍّ شرعي. ومستند ذلك مرويات مشحونة بلغة دموية؛ كرواية أبي الجارود المطولة التي تزعم أنه يدخل المدينة فيقتل ألفاً وخمسمئة قرشي، ثم يحيي الموتى لمحاسبتهم فيقتل خمسمئة من المرتابين في المسجد ويحرقهم، ثم يتوجه إلى الكوفة ليواجه ستة عشر ألفاً من “البترية” المتسلحين من حفاظ القرآن والفقهاء الذين يقولون له: “ارجع يا ابن فاطمة لا حاجة لنا فيك”، فيضع فيهم السيف عشيّة الإثنين من العصر إلى العشاء ليقتلهم أسرع من نحر الجزور بغير أن يُصاب من أصحابه أحد، معتبراً دماءهم قرباناً، ويواصل القتل حتى يرضى الله؛ وهي لغة تكشف بذاتها عن نفسية مأزومة ونسق انتقامي فج.

ويتجلى التصور الثالث في حصر النهضة المهدوية بكونها حركة فئوية مذهبية محضة، غايتها الوحيدة قهر بقية المذاهب الإسلامية وتكريس تفوق مذهب على آخر، مستندين في ذلك إلى تأويلات ضيقة لبعض الروايات التي تتحدث عن الرجعة ومحاكمة الخصوم التاريخيين.

بينما يختزل التصور الرابع القضية المهدوية بأسرها في فكرة الأخذ بالثأر الدامي لواقعة كربلاء من قتلة الإمام الحسين (ع)؛ مستدلين بمرويات تذهب إلى إطلاق مبدأ الثأر، كمروي البكاء الملائكي الذي يُجاب فيه بالانتقام بالقائم، أو ما روي مبالغة بأنه لو قَتل بأبي عبد الله الحسين كل أهل الأرض لم يكن مسرفاً.

بواعث التشويه بين التوظيف السياسي والنزعة النفسية

إن هذه التصورات المتباينة التي أفرغت النهضة المهدوية من إنسانيتها وعدالتها لم تتكون اعتباطاً، بل غذّاها عاملان رئيسيان:

أولهما شيوع مرويات متهافتة السند والمضمون، دُسّت لأغراض سياسية ظرفية؛ كالروايات التي وضعها أنصار بني العباس لتسويغ صراعهم مع الأمويين وإضفاء الشرعية على حروبهم، أو لأهداف طائفية تعبر عن أزمات واحتقانات مذهبية، أو كونها انعكاساً لعقد نفسية ورغبات انتقامية دفينة لدى بعض الرواة أرادوا تفريغها في نصوص متخيلة تسفك فيها الدماء بلا حساب.

وثانيهما النزوع النفسي لدى المتلقين الذين يقاربون النصوص بانتقائية تخدم رغباتهم الذاتية وأمنيات الغلبة لديهم، متجاوزين بذلك القواعد العلمية الصارمة في دراسة الحديث، ومسقطين مبادئ القرآن الحاكمة على تلك المرويات الشاذة.

عالمية العدل ورسالية النهضة الإنسانية

إن المعيار الأصيل الذي اتفقت عليه كلمة المسلمين وتواترت به نصوصهم الثابتة هو أن القضية المركزية للنهضة المهدوية تقوم على تحقيق الوعد الإلهي بنشر القسط وتحكيم العدل في الأرض بعد أن غمرها الجور والاستبداد. والأوفق باستراتيجية هذه الحركة المباركة هو الاستناد إلى المنهج القرآني الشامل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

إن جوهر الرسالة وقيم الشريعة إنما شُرعت لإسعاد البشرية وإقامة الميزان، واللجوء إلى “الحديد” وقوة السلاح لا يعدو كونه أداة دفاعية اضطرارية لردع قوى الطغيان التي تسعى لإجهاض هذا الخير العام وتأبى رفع يد الظلم عن المستضعفين؛ فلم يكن السيف يوماً غاية في ذاته، ولم تكن النهضة مدفوعة بحمية طائفية أو هاجس انتقامي من التاريخ، بل الدافع هو إقامة صرح العدالة الشاملة التي تبهر الأمم وتجذب القلوب إليها تلقائياً. ومصداق ذلك ما بشر به المصطفى (ص) واصفاً بركات هذا العصر الإنساني الأتم: “يَرضى عنه ساكنُ السماء وساكنُ الأرض، وتتمنى الأحياءُ الأمواتَ مما صنع الله عز وجل بأهلِ الأرض مِن خيره”.

الشيخ علي حسن

View all posts