تحدّث القرآن الكريم في أكثر من سورة عن مفارقة عجيبة في سلوك الناس بعد انقشاع الأزمات الحادة التي يمرّون بها؛ ففي حين أنهم يلجأون إلى الله تعالى في ذروة المحنة، ويُخلِصون له في دعائهم، ويعاهدونه على الاستقامة طلباً لرضاه وخلاصاً من الشدائد، إذا بهم ينقلبون على أعقابهم بعد زوال الخطر، ويسلكون مسلكاً مغايراً تماماً، بل يبالغون في كثير من الأحيان في اتخاذ مسارات لا تُرضي الله، ولا تتفق مع أدنى درجات شكر المنعم جل وعلا.

الشواهد القرآنية على انتكاسة الفطرة بعد النجاة

تتعدد النماذج القرآنية الكاشفة عن هذه الطبيعة البشرية المتقلبة؛ ومنها قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65].

وفي موضع آخر يصف التنزيل مشهداً بحرياً مروعاً: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32]. والمقتصد هنا هو سالك القصد، أي الطريق المستقيم المتزن؛ ويحمل حرف الجر (مِن) دلالة التبعيض التي تشير بوضوح إلى قلة عدد الفئة الثابتة التي تستفيد حقاً من هول التجربة، بينما الأكثرية تنحرف إلى الجحود.

ويأتي النموذج الثالث كاشفاً زيف التعاطي مع الرحمة الإلهية: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [يونس: 21]. والمراد بالمكر هنا أنهم، بدلاً من الاعتراف بفضل الله، ينسبون النجاة للأسباب المادية الصرفة، أو يتنكرون للمعروف الإلهي بضروب الطغيان وخبث السريرة.

وقد ضرب القرآن مثلاً تاريخياً ناصعاً على هذه السقطة النفسية في سيرة بني إسرائيل، إذ قال سبحانه: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ۝ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 136-138]؛ فلم تكد أقدامهم تجف من بلل البحر حتى نسوا المعجزة وطلبوا الشرك.

الجوائح الكونية ومرآة الهشاشة المعاصرة

إن هذه الآفات ليست حبيسة التاريخ، بل تتكرر بصورة جماعية وفردية، وتتجلى بأوضح صورها في حقبة ما بعد جائحة كورونا. وقد رصدت الأدبيات المعاصرة هذا البعد؛ ففي مقال نُشر في (الإندبندنت العربية) بعنوان “كيف غيّرت الجوائح وجه العالم؟”، استعرض الكاتب كيف أعادت جائحة “كوفيد-19” صياغة علاقة الإنسان بالحياة والعمل والخوف.

يصف المقال ذلك بقوله: “كائن لا يُرى بالعين المجردة، لكنه قادر أن يوقف الكوكب بأسره على رؤوس أصابعه، حابساً أنفاسَه، مسكوناً بالخوف. إنها الجوائح المرعبة، التي تقبض الأرواح، وتُخلّف ملايين المرضى، وتُسقط اقتصادات الدول، وتغيّر مجرى الحياة الاجتماعية برمّتها”. وهذا التوصيف يطابق تماماً الظرف المذكور في القرآن، بل يتجاوز سفينة خائفة في عرض البحر ليحيط بالبشرية جمعاء.

ويضيف الكاتب: “ففي كل مرحلة من مراحل التاريخ، كانت البشرية تظن أنها بلغت من القوّة ما يجعلها بمنأى عن الانهيار، فتأتيها بلا مقدمات جائحة صامتة، تهدم هذا الوهم حجراً فوق حجر… لتُشكّل مرآة كبرى تكشف عن كل ما حاولنا طمْسَه من هشاشة أنظمتنا، وعجزنا أمام اللامرئي الضئيل”. ورغم أن الجائحة عُدّت حدثاً كونياً قلب الموازين، إلا أن التغير الناتج لم يصحح المسار القيمي كما يجب؛ فقد حصرت القراءات المادية الأزمة في كشف التفاوت الصحي بين الدول الغنية والفقيرة، وتجاهلت ما كشفته الجائحة من هشاشة إيمانية وأخلاقية عميقة، ليعود الإنسان سريعاً إلى غطرسته السابقة فور انقشاع الخطر.

قصور المقاربة المادية واستنهاض علم النفس الإيماني

في دراسة التداعيات اللاحقة للأزمات، يتوقف علم النفس الحديث عند ما يُعرف بـ “اضطراب ما بعد الصدمة” (PTSD)، وهو الاضطراب الذي عُرف إبان الحرب العالمية الأولى بـ “صدمة القذيفة”، حيث تؤدي المخاوف الحادة إلى اختلال الاتزان النفسي. وينعكس هذا الاضطراب عضوياً عبر آلام العضلات، واضطراب النبض، والصداع، وفقدان الشهية؛ كما يتجلى نفسياً في نوبات الفزع، والاكتئاب، والشعور بالذنب.

غير أن المنظومة النفسية الغربية تتجاهل الجانب الروحي الذي يجعل الإنسان -بعد خروجه سالماً من هول الكارثة- يتنكر للمنعم ويتحول إلى الجحود أو التطرف المادي. ويعود هذا العجز إلى انطلاق تلك الدراسات من أسس مادية بحتة تلغي البعد الغيبي من معادلة التحليل. ومن هنا تنشأ الحاجة الملحة إلى أن يضطلع المتخصصون النفسيون من ذوي الرؤية الإيمانية بمهمة سد هذه الفجوة، وصياغة تأطير علمي يفسر ظاهرة النكران الروحي ويسهم في تصحيح بوصلة الإنسان نحو خالقه في فترات التعافي.

جرس الإنذار واستدامة الشكر العملي

تدق الآيات القرآنية جرس إنذار حاسم لكل فرد نجا من محنة حادة، سواء أكانت كارثة عامة أم أزمة خاصة: احذر أن تقع في وباء جحود النعمة بعد أن كُشفت عنك الغمة، وتجنب أن تصبح النجاة سبباً في تباعدك عن الله وسقوطك في الغفلة.

ولتحصين النفس من هذا الانتكاس، ركزت المنظومة الإسلامية على ترسيخ “الشكر الدائم” فعلاً وسلوكاً؛ ومصداق ذلك ما ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع) حين قال: “إذا أنعم الله عليك بنعمة، فصلِّ ركعتين”، مبيناً كيفية صلاة الشكر لترسيخ خضوع العبد. كما يتجلى ذلك في الأدعية العميقة الواردة في الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين (ع): “اللَّهُمَّ إنَّ أَحَداً لاَ يَبْلُغُ مِنْ شُكْرِكَ غَايَةً إلاّ حَصَلَ عَلَيْهِ مِنْ إحْسَانِكَ مَا يُلْزِمُهُ شُكْرَاً… فَأَشْكَرُ عِبَادِكَ عَاجِزٌ عَنْ شُكْرِكَ”. ويبقى الميزان العملي الفارق في النجاة هو ما قرره أمير المؤمنين علي (ع) في كلمته الجامعة: “شُكر المؤمن يظهر في عمله، وشُكر المنافق لا يتجاوز لسانَه”.

الشيخ علي حسن

View all posts