تعتبر مسألة الإعاقة واحدة من القضايا الإنسانية المعقدة التي ألقت بظلالها على المجتمعات البشرية عبر مختلف العصور، ولا تزال آثارها ماثلة حتى يومنا هذا، بالرغم مما حققته الإنسانية في العصر الراهن من تقدم طبي، وتكنولوجي، ووقائي واسع النطاق. وتشير الإحصاءات المعاصرة الصادرة عن منظمة اليونيسف لعام 2021 إلى أن طفلاً من بين كل عشرة أطفال في العالم يعاني من الإعاقة، بما يقارب مئتين وأربعين مليون طفل. كما تؤكد تقارير أممية أخرى أن نحو مليار وثلاثمئة مليون إنسان -أي ما يعادل ستة عشر في المئة من سكان الأرض- يعانون من شكل من أشكال الإعاقة، شاملةً الحالات البسيطة والمتوسطة. وإذا كانت النظرة السائدة اليوم تتسم بالاحترام والمساعدة والرعاية الطبية، فإن تاريخ البشرية يحمل في طياته شواهد مؤلمة بلغت حدود الوحشية والتصفية الجسدية بحق هذه الفئة، إما لفساد التصورات الغيبية أو للتنصل من أعباء الرعاية.
التصورات الظلامية عبر الحضارات وتجريم الضعف
هيمنت على كثير من الحضارات القديمة معتقدات خرافية ربطت الإعاقة بالقوى السحرية والشريرة، حيث ساد الظن بأن الشخص المصاب لا يجلب لمحيطه سوى الشؤم والشر المستطير، مما انعكس سلباً على نمط التعامل معه. وذهبت أمم أخرى إلى تفسير العاهات الجسدية بأنها غضب مباشر من الآلهة على الفرد أو أسرته، وعلامة على طردهم من دائرة العناية الإلهية وتسليمهم لسلطان الشياطين. كما نظرت بعض المجتمعات النفعية إلى ذوي الإعاقة كعبء ثقيل يعرقل مشروع بناء مجتمع قوي يسعى للكمال والتوسع العسكري.
وقد انعكست هذه الرؤى القاسية في الفلسفات والتشريعات القديمة؛ إذ دعا الفيلسوف اليوناني أفلاطون إلى التخلص من الأطفال المعاقين وقتلهم، وهو ما طُبق عملياً في الحضارة الإغريقية. وفي إسبرطة، تحوّل التخلص من الرضع المشوهين والمرضى إلى إلزام قانوني صارم لضمان نقاء السلالة القتالية. كما أجاز القانون الروماني إعدام الأطفال المعاقين أو تحويلهم إلى عبيد ومهرجين للتسلية. ولم تسلم القرون الوسطى في أوروبا من هذا الاضطراب؛ إذ تباينت مواقف الكنيسة بين اعتبار الإعاقة عقوبة إلهية لمعصية، أو مسّاً شيطانياً، مع استثناءات محدودة دعت للعناية بفاقدي البصر. ويُسجل التاريخ أن مارتن لوثر، مؤسس البروتستانتية، طالب أحد الحكام بإغراق طفل معاق، مبرراً ذلك بأن طرد الشيطان المستحوذ عليه يتطلب صلوات شاقة ومستمرة، والموت أهون من ذلك العناء. وفي الحقبة الحديثة، رأى النظام النازي في المعاقين عائقاً أمام التفوق العرقي، فأخضعهم للتجارب الطبية القسرية والتعقيم الإجباري والقتل الرحيم الممنهج.
وعند عرب الجاهلية، شاعت مفاهيم التطير والتشاؤم من ذوي الإعاقة، متوهمين أن عاهاتهم نتاج أفعال غيبية مسندة إلى الجن، مما أدى إلى نبذهم واجتناب مؤاكلتهم ومجالستهم على موائد الطعام تحرجاً واشمئزازاً.
الثورة التشريعية والأخلاقية في المنظور الإسلامي
حين أشرقت شمس الرسالة الإسلامية ببعثة النبي محمد (ص)، قدم الإسلام مفهوماً جديداً كسر القيود الجاهلية، وأرسى قواعد العدالة والكرامة الإنسانية، معلناً رفع الحرج الاجتماعي والنفسي عن هذه الشريحة، كما جاء في محكم التنزيل: {لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} [النور: 61]، رداً على عادات الترفع الجاهلي عن مؤاكلتهم.
لقد دمج الإسلام ذوي الإعاقة في النسيج الاجتماعي، مقرراً لهم حقوقاً متكافئة، مع تخفيف التكاليف الشرعية وفق استطاعتهم، وإسقاطها كلياً عن أصحاب الإعاقات الذهنية. وتواترت التوجيهات النبوية الشريفة في الحث على قضاء حوائجهم ومراعاة مشاعرهم؛ حيث أكد النبي (ص) أن من كفى ضريراً حاجة من حوائج الدنيا ومشى فيها حتى تُقضى، أعطاه الله براءة من النفاق والنار، وقضى له سبعين حاجة من حوائج الدنيا، ولا يزال يخوض في رحمة الله حتى يرجع. وحرصاً على الجانب النفسي والكرامة الذاتية، نهى (ص) عن إدامة النظر إلى أهل البلاء والمجذومين لما يورثه ذلك في نفوسهم من حزن وكسر للخاطر. وعزز الإمام جعفر الصادق (ع) هذا البعد الإنساني بتأكيده أن إسماع الأصم وتفهيمه الكلام من غير تضجر يعد صدقة هنيئة مباركة.
وتجلت قمة العدالة الرعائية في وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) لواليه على مصر مالك الأشتر، حيث أفرد توجيهاً تفصيلياً لحماية الفئات المستضعفة وأصحاب الزمانات (الإعاقات)، محذراً الوالي من الغفلة عنهم أو التكبر عليهم بما حققه من إنجازات سياسية، وأمره بتخصيص نصيب ثابت لهم من بيت المال وعائدات الأراضي الخراجية، وتعيين لجان من أهل الخشية والنزاهة لمتابعة شؤون العاجزين عن الوصول إلى مركز الحكم، مؤكداً أن هذه الفئة أحوج رعية الدولة إلى الإنصاف والعدل أمام الله تعالى.
التجربة المؤسسية والنهضة الحقوقية المعاصرة
تجسدت تلك التوجيهات الإسلامية عملياً عبر التاريخ في إنشاء البيمارستانات، والمراكز الرعائية، وتخصيص الأوقاف المستدامة لخدمة ذوي الإعاقة وتأهيلهم. وفي العصر الحديث، التقت القوانين الوضعية الدولية مع هذه المبادئ الإنسانية؛ إذ أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 الإعلان الخاص بحقوق المعاقين، متضمناً ثلاثة عشر بنداً تكفل الحقوق المدنية، والاجتماعية، والتعليمية، والتأهيلية. وفي عام 1992، خُصص يوم الثالث من ديسمبر من كل عام ليكون يوماً عالمياً لذوي الإعاقة لتعزيز الوعي بقضاياهم ودمجهم الفاعل.
وعلى المستوى الوطني، برزت دولة الكويت كنموذج ريادي في إقرار حقوق ذوي الإعاقة وكفالتهم قانونياً واجتماعياً، حيث نصت المادة الحادية عشرة من الدستور الكويتي صراحة على أن الدولة تكفل المعونة للمواطنين في حالات الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل، مع توفير خدمات التأمين والمعونة الاجتماعية والرعاية الصحية الشاملة. وترجمت هذه النصوص إلى منظومة متكاملة من التشريعات المتقدمة، والمؤسسات التعليمية والتربوية والرياضية المتخصصة، والدعم المادي المستمر، مما أثمر عن إنجازات وطنية لافتة حصد فيها أبطال الكويت من ذوي الإعاقة العديد من الميداليات الذهبية في المحافل والمسابقات البارالمبية والدولية.
مسارات الوعي: الإرادة، والابتلاء، والمسؤولية التضامنية
تخلص المعالجة الموضوعية لملف الإعاقة إلى جملة من المرتكزات الأساسية؛ أولها أن الإعاقة تمثل وجهاً من وجوه الابتلاء والتمحيص الإلهي في دار الفناء، والتعامل معها بالصبر والرضا والتسليم يورث في الدار الآخرة أجراً عظيماً ومقاماً رفيعاً، إذ ورد في النصوص أن جزاء هذا الصبر الواعي هو الجنة.
وثاني هذه المرتكزات هو ثبوت المسؤولية التضامنية الشاملة على عاتق الأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة، لجهة توفير سبل العيش الكريم، والتعليم، والتأهيل التخصصي، لدمج أصحاب الهمم بصورة كاملة في الحياة العامة، وهو من أزكى صور البر والتكافل.
أما المرتكِز الثالث والأخير، فيؤكد أن الإعاقة الجسدية أو الحسية ليست قيداً مانعاً من الإبداع أو حكماً بالعجز الدائم؛ فالإرادة الإنسانية والروح الوثابة قادرتان على تحطيم عوائق المادة وتجاوز ما عجز عنه كثير من الأصحاء، والشواهد التاريخية والمعاصرة شاهدة على ذلك، كعميد الأدب العربي طه حسين، والأديبة الملهمة هيلين كيلر، وعالم الفيزياء النظرية ستيفن هوكينغ، وغيرهم ممن أضاءوا دروب المعرفة بعزمهم وعطائهم.
