{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64].

قدّمت كل رسالة سماوية صورة وصفيّة نقية عن الله سبحانه وتعالى من خلال ذكر صفاته، وتبيان ما يجب على المؤمنين بتلك الرسالة أن يعتقدوه في ما له علاقة بالذات الإلهية المقدسة؛ كالإيمان بوحدانيته، وأنه الأول والآخر، والخالق والغني، والرزاق والعزيز، والقادر على كل شيء، وغير ذلك من الكمالات التي تمثل أركان الإيمان وأصوله في الرسالات كافة.

إلا أن تلك الصورة الوضاءة كانت تتبدل وتتغير وتنحرف بمرور الزمن نتيجة مؤثرات عديدة، كالاعتماد على النصوص الموضوعة أو المحرفة والخلل في فهم النص، أو من خلال أهل البدع ممن يتلبسون بلباس العلم وليسوا من أهله، أو بفعل الاحتكاك بالأمم والثقافات الوثنية والتأثر برواسبها.

التحريف التوراتي وشبهة غل اليد الإلهية

ذكر القرآن الكريم نماذج جلية من تحريف اليهود للتصورات المقدمة عن الله في تراثهم، ومن بينها دعواهم بأن {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، وقولهم: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181].

وقد استبعد بعض المفسرين -كابن عاشور- أن تكون هذه المقولات جزءاً من معتقداتهم المدونة، ورأى أنها قيلت تهكماً بالمسلمين حين هاجروا إلى المدينة في فاقة وفقر، مبرراً ذلك بكون اليهود أهل كتاب لا يجوز في دينهم وصف الله تعالى بصفات النقص والذم.

إلا أن الواقع التحقيقي يثبت أن ما حكاه القرآن الكريم موجود بنصه وفحواه في كتبهم ومدوناتهم التراثية؛ إذ تعود جذور المسألة إلى نقمتهم على عدم تدخل الله لإنقاذهم من السبي البابلي، وتبرمهم من الفقر الذي كانوا يعانونه أحياناً، فصوّروا الأمر بأن يد الله مغلولة.

وقد وثق الباحث روبن فايرستون في كتابه (ذرية إبراهيم – مقدمة عن اليهودية للمسلمين) هذا المعنى؛ مستشهداً بسفر (مراثي إرميا) الذي جاء فيه: “رد إلى الوراء يمينه أمام العدو”، مبيناً أن التفسير الوارد في كتاب (المدراش) المسمى (مراثي رباه) ينص صراحة على عبارة: “غُلَّت يمين الله”. كما أشار المقتطف الوارد في كتاب (حانوخ) إلى أن هناك قراءة تفهم غل اليد كمجاز لرفض حماية القدس بسبب الذنوب، بينما يتجاهل اتجاه آخر الاستعارة ويدعي بكل صراحة أن يد الله أضحت عاجزة ولا فائدة فيها إثر خراب الهيكل. وقد قادهم هذا الانحراف في نفي النصرة إلى وصف الذات الإلهية بالعجز عن العطاء والبسط في الرزق.

الغلو في الرسالات وضوابط الأسماء الحسنى

وكما انحرفت التصورات في البيئة اليهودية، وقع النصارى في مزالق الغلو والتحريف، ولا سيما في عقيدتهم في المسيح ونسبة الخصائص الإلهية إلى المخلوق، وهو ما نبّه عليه القرآن الكريم بحسم: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171].

أما في الدائرة الإسلامية، فقد بيّن القرآن صفات الجلال والكمال، ووضع قاعدة محكمة في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا}، محذراً من الميل والزيغ في قوله: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180]؛ أي لا تتبعوا ولا تتأثروا بمن ينحرفون عن الحق فينسبون لله خواص المادة وصفات النقص، أو يخلعون صفاته المطلقة على عباده ومخلوقاته.

داء التقليد ومزالق التجسيم والغلو

ومع وضوح النص القرآني وسلامته من أي تحريف، تسربت تشوهات في التصور الإلهي لدى بعض الأوساط؛ والمشكلة هنا لا تكمن في النص، بل في المنهجية المتبعة في التلقي.

وتتلخص علة ذلك فيما نقله الفخر الرازي في تفسيره عن أحد شيوخه قائلاً: “قد شاهدتُ جماعةً مِن مقلِّدة الفقهاء، قرأتُ عليهم آياتٍ كثيرةً مِن كتابِ الله تعالى في بعضِ المسائل، وكانت مذاهبُهم بخلافِ تلك الآيات، فلم يَقبلوا تلك الآيات، ولم يَلتفتوا إليها، وبَقوا ينظرون إليَّ كالمتعجِّب، يعني كيف يُمكنُ العَملُ بظواهرِ هذه الآيات مع أنّ الرواية عن سَلفِنا ورَدت على خِلافها؟ ولو تأمَّلْتَ حقَّ التأمل، وجدتَ هذا الداء سارياً في عروقِ الأكثرين مِن أهلِ الدنيا”.

فبينما يحكم القرآن الكريم بنفي الشبيه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وُجد من يصوّر الخالق في هيئات جسدية مادية اعتماداً على مرويات موضوعة أو مجتزأة. وحين يصرّح التنزيل الحكيم: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31]، يظهر من يخلع تلك المقامات والأفعال المستقلة على غير الله من خلقه.

الموقف الحاسم لأهل البيت (ع) ودور العلماء

شهد التاريخ من سار على خطى أدعياء العلم والمتلاعبين فيه ممن باعوا آخرتهم بدنياهم، فوضعوا الحديث، وحرّفوا التأويل، وشوّهوا أصول العقائد.

وقد انبرى أئمة أهل البيت (ع) بكل صرامة لمواجهة تلك التيارات، ولم يستثنوا من ادعى الانتماء إليهم زوراً وبهتاناً وهو يجنح نحو الغلو أو يميل عن جادة القرآن في التوحيد، ناسباً لله ما لا يليق بجلاله، أو واصفاً خلقه بما اختص به الخالق وحده.

وعلى هذا النهج، سار أعلام أصحابهم وخيار العلماء، متحملين في سبيل صيانة العقيدة الأثمان الباهظة من غير تبديل ولا نكوص، محققين قوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39].

وهذا الإرث يحمّل الأجيال المعاصرة أمانة الوقوف بوجه الموجات المستجدة من الانحراف والتشويه، والاعتصام بالتوحيد الخالص الذي رسمه كتاب الله في أسمائه وصفاته وتنزيهه المطلق.

الشيخ علي حسن

View all posts