{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 6-8].
يمثل هذا الخطاب القرآني نداء موعظة بليغاً، ورد في سياق يفيض بالرهبة بعد الآيات الأولى من السورة التي صوّرت مشاهد الانقلاب الكوني وأهوال يوم القيامة، مشيرة إلى لحظة التجلي الكبرى وكشف الحقائق حين {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}. وفي هذا المشهد الحاسم، تتغلغل الموعظة في أعماق النفس الإنسانية؛ إذ يشعر الإنسان السوي بانكسار ذاته ورقّة قلبه، فيتلاشى العناد وتسقط المكابرة، ولا سيما أن الموعظة صادرة عن الرب الكريم المتفضل.
بلاغة الاستفهام وتوبيخ الغفلة
جاءت هذه الموعظة الربانية في صيغة استفهام يحمل في طياته الاستنكار والتعجب والعتاب والتوبيخ: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}؟ أيها الإنسان الذي يقف وجهاً لوجه أمام مصيره، ما الذي أوقعك في حبال الخديعة وجعلك تشعر بالأمن الزائف من تبعات عملك في يوم الحساب؟ كيف غفلت والله سبحانه قد أنذرك مسبقاً بأنك كائن مسؤول، وبيّن دقة الموازين وصرامتها في قوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49].
مصائد الخداع ومزالق الغرور
لقد حذر القرآن الكريم من حبائل شتى تقود الإنسان إلى الوقوع في هذا الفخ المُردي، وفي طليعتها الانخداع بزخارف الحياة الفانية ووساوس الشيطان؛ وقد اجتمع هذا التحذير في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5].
كما ينخدع البعض بالمظاهر الزائلة للمترفين وأهل الضلال، وهو ما نبهت إليه الآية الكريمة: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196-197].
وينضاف إلى ذلك نسج التصورات الوهمية والتبريرات الزائفة لتسويغ المعاصي والجرأة على حدود الله، نظير ما حكاه القرآن عن الغافلين: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24].
الجهل بحقيقة الحلم والإمهال الإلهي
يعد الجهل برب العزة أصل هذا التمرد وأساس تلك الجرأة؛ فقد روي أن النبي (ص) لما تلا قوله تعالى: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} قال: “غرّه جهلُه”. فالإنسان بجهله يغتر بواقع حاله؛ يرى نعمه سابغة وأموره مستقيمة بالرغم من معاصيه، فيتوهم أن هذا الرخاء دليل على رضا الله عنه ومؤشر على فوزه في الآخرة.
وقد كشف أمير المؤمنين علي (ع) هذا الوهم العميق بقوله: “كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ”. إن تأخير العقوبة ليس دليلاً على إقرار المعصية، بل هو من حلم الرب الكريم وفسحة يمنحها للعبد كي يتوب، أو قد ينقلب إلى استدراج مآله السقوط في الهاوية؛ فالله تعالى كما أنه أرحم الراحمين فإنه شديد العقاب: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49-50].
