للسيدة الزهراء (ع) موقفٌ مؤثّرٌ قُبيل رَحيلِ أبيها؛ نصٌّ نثري يرسم مَعالِمَ ذلك المشهد المهيب، حينَ طلبَ النبيُّ (ص) ابنته الزهراء (ع) لتحضر عندَه فناجاها مرّتين، بَكت إثر إحداهما، ثم استبشرت وضحِكَت بعد الأخرى، في خبرٍ جليل تَرويه أم المؤمنين.
ترقب وخطوات تحاكي النبوة
إلحاحٌ عجيب في عَيني أمِّ المؤمنين وهي تَرقُب الموقِف، شغفاً لتَكشِفَ سِرَّ تلك التمتماتِ النبويةِ التي تلقّفَتْها أذنٌ وَاعية، حبيبتَه الزهراء، التي سرعانَ ما تَحدّرت من مآقيها قطرات كأنّها الجُمانُ المَنضود.
لم تُخطئ مِشيتُها مِشيةَ رسولِ الله، هكذا كان وَصْفُ أمِّ المؤمنينَ لها، وهي ليست المرّةَ الأولى التي تَشهدُ فيها مِشيةَ الزهراء، ولكن لابد أنها لاحظَت شيئاً استثنائياً في عيني رسولِ الله وهو يتابِعُ تلكَ الخُطُوات، فارتسَمَت الصورةُ في ذاكرتِها: كأنّ مِشيَتَها مِشيةُ رسولِ الله. وكأني به (ص) يُحدِّث نفسَه: فِداكِ أبوكِ يا أمَّ رَيْحَانَتَيّ.
ولم تكن خَطَواتُها فحسب كخَطَواتِ أبيها، وهي أمُّ أبيها كما كان يُحبُّ (ص) أن يُناديَها، بل كانت أشبهَ الناسِ سَمتاً ودِلاًّ وهَدياً برسولِ الله؛ والسَّمتُ والدِّلُّ والهَديُ هي الهيئةُ والطريقةُ وحُسْنُ الحال. وكانت إذا دخلَتْ على رسولِ اللهِ (ص) قام إليها -معَ عَظيمِ شأنِهِ وجَليلِ مَقامِهِ- فقبَّلَها، وهو يَشُمُّ فيها رَوْحَ الجَنةِ ورَيَاحينَها، ولا يَرضَى لها مَجلِساً إلا مَجلِسَه، إعظاماً لشأنِها وإجلالاً لمَقامِها. ولم يكُنْ ليَفعلَ ذلكَ مَع سِواها، لأنّ لفاطِمةَ في عَقلِ أبيها وفي قَلبِه شأناً آخر لا يَعرِفُ سِرَّه إلا الله.
في مكنون الوداع الأخير
ما الذي دعا النبيَّ ليطلُبَ فاطمةَ في هذا الوقتِ بالذات، وقد أخذَ منهُ المرضُ كُلَّ مَأخَذ، والحُمّى لا تَكادُ تُفارقُ جسدَه الشريف، وحَولَه أزواجُه يَخدِمْنَه ويُسلّينه؟ فلم يَطلبْ مِن إحداهِن أنْ تَقتَرِبَ مِنه ليُسارَّها بشيء، ولَم يُفصِحْ لَهُنّ جِهاراً عَمّا يَجيشُ في مَكنونِ صَدرِه، ثم إنّ فاطمةَ لم تَغِبْ عنه طويلاً؛ فما الأمرُ المُلحُّ الذي طَلبَها لأجلِه ولا يَقبلُ التأجيل؟
انكبّت فاطمةُ على أبيها بعدَ أنْ حَيّاها وهو يَنتزِعُ مِن شَفَتيْهِ المباركتَيْن ابتسامةً طالما اعتَادَت على رُؤيتِها حِينَ يَستقبلُها: مَرحباً بابنتي، هكذا حيّاها، فانكبَّتْ هي عليه وقبّلَته، ولم تكُن قد عَهِدَت ذلك الضعف في لُقياه؛ فقد كان المرضُ يُغالِبُه، ولم يَعُد قادراً على أن يَقومَ كما كان يَفعلُ دائماً وهو يُحيّي حبيبتَه ثم يُجلسَها مجلِسَه.
وأقبَلَت أمُّ أبيها بكُـلِّ وجودها عليه، وحَنانُها يَفيضُ في المكان لِيبعَثَ في اللقاءِ دِفئاً تَرسِمُ مَعالمَه تلك الأناملُ التي طالما مَسحَت الدَّمَ والتُّرابَ عن وَجهِ رَسولِ الله في مكةَ إذ كانت تَرشُقُه قُريشٌ بأحْجارِ الجُحُود والطُّغيان، وفي المدينةِ بعد أنْ عادَ مِن أُحُد مُصاباً، كما تَرسِمُ مَعالمَه تلك النظراتُ الحانيةُ التي طالما ذَكّرتْه بحَنانِ خديجة: وأين مثلُ خديجة؟! صدّقَتني حين كَذّبني الناس، وأعانَتني على ديني ودنياي بمالها؛ هكذا كان يذكُرها (ص).
نجوى الدمعة وسر الابتسامة
تغيّر وجهُ الزهراء، ولفَّ الحزنُ قَسَماتِه، وجادَت عَيناها غَيثاً مُنهمِلاً وهي تَعي كلماتِ أبيها الحاسمة: كان جبريلُ يُعارضُني بالقرآنِ كُلَّ عامٍ مرّة، وإنه عارضَني في هذا العامِ مرّتَين، ولا أراني إلا قد حَضرَ أجَلِي، فاتّقي الله واصبِري، فإني نِعْمَ السلفُ أنا لكِ. ساعدَ اللهُ قلبَكِ يا حبيبةَ المصطفى، فأيُّ مصابٍ بعدَ هذا؟ وكأنّي بها تسترجِعُ الساعاتِ الأخيرةَ لرحيلِ أمِّها خديجة، ولم تكن فاطمةُ إذ ذاك قد تجاوزَت سنين طفولتها الأولى، ولكنها كانت تفوقُ الكبار في وَفرَةِ عَقلِها وفي ثِقَلِ إحساسِها بمسؤولياتِها، ولذا استحقّت لقب أمِّ أبيها.
حينئذ، كان المصطفى يَلفُّها بعظيمِ رأفتِه ورَحمتِه فيَملأ فراغَ أمِّها الراحلةِ عن هذه الدنيا، أما اليوم فمن ذا يُمكنُه أن يَسُدَّ مَسدَّه؟ وأسلمَت الزهراءُ نفسَها للحزن: وا كَرباه.. وا كَربَ أباه.
وما لَبِثَ النبيُّ أنْ جَذبَها إليه ليُسارَّها مِن جديد: إنكِ أوّلُ أهلي لُحوقاً بي، ألا تَرضَيْن أن تكوني سيدةَ نساءِ المؤمنين؟ فأخذَت بِعفويةٍ تُكَفْكِفُ دُموعَها وهي تَبتسمُ بعد ذلك الحُزنِ الشديد، وتهَلَّلَ وَجهُها استبشاراً بعظيمِ ما سَارَّها به؛ فإنَّ جِوارَ أبيها أحَبُّ إليها مِن هذه الدنيا وما فيها، وهل تَعلَّقَت فاطمةُ يوماً بزُخرُفِ الدنيا وزِبرِجِها، فيما كانت قريناتُها يُنَشَّأْنَ في الحلية ويَطلُبنَها شغفاً؟!
كتمان السر ووفاء العهد
نَهضَت بَضعةُ النبي تَستشرفُ ما تُخبّؤهُ لها الأيامُ القادمةُ المحفوفة بالمآسي، وما لَبِثَت أمُّ المؤمنين أنْ نَهَضَت مبادرة بسؤالِها وقد ملأها العَجَب: ما هذا الذي سارَّكِ به رسولُ اللهِ فبكِيتِ، ثم سارَّكِ فضَحِكتِ؟! أخصَّكِ رسولُ اللهِ بحديثِه دونَنا ثم تَبكِين؟! إنه أمرٌ باهر، إلا أنَه سِرٌّ خَصَّها به أبوها، وعليها أنْ تَكتُمَه ولا تَتحدَّثُ بهِ ما دامَ حياً؛ إنه يَكشِفُ لها وحدَها شيئاً مِن أسرارِ القَدَر: ما كنتُ لأُفشيَ على رسولِ الله سِرَّه؛ بهذا الحسم أجابَت الزهراء، وتابعَت خَطَواتِها نحو ما رسَمَهُ القدَر.
حتى إذا حَلَّ أمرُ الله واختارَ نبيَّه لجِوارِه، عادَت أمُّ المؤمنين لتسألَ مِن جَديد بعد أن ألحّ عليها التساؤل: أرأيتِ حِينَ أكببتِ على النبيِّ فرفَعْتِ رأسَكِ فبكِيتِ، ثم أكبَبْتِ عليه فَرفعْتِ رأسَكِ فضَحِكْتِ، ما حَمَلَكِ على ذلك؟! أمّا الآن فنعم، فلو أفْشَت السِّرَّ مِن قَبلُ لما حفظت الأمانة، وأخذَت الزهراءُ تَكشف لأمِّ المؤمنينَ سِرَّ تلكَ الدُّموع ثم سِرَّ تلكَ الابتسامةِ التي ما عادت تَعرِفُ إلى ثَغرِها طَريقاً مُذ أنْ ارتَحَلَ عنها أبوها، تاركاً إياها ترتقب أيامَ اللقاءِ القريبة في مَقعَدِ صِدْقٍ عِند مَليك مُقتدر.
زفرات الوداع عند اللحد
ويودِّع أميرُ المؤمنين (ع) روحَه التي بين جَنبيه بعد أن وسَّدَها في لَحْدِها قائلاً بأسى عميق: السلام عليكَ يا رسولَ اللهِ عنّي، وعن ابنتِك النازلةِ في جِوارِك، والسريعةِ اللحاقِ بك. قَلَّ يا رسولَ الله عن صَفيّتِك صَبري، ورَقَّ عنها تَجلُّدي، إلا أنّ في التأسّي لي بعظيمِ فُرقتِك وفادِحِ مُصيبتِك مَوضِعَ تَعزٍّ؛ فلقد وَسّدتُكَ في مَلحودَةِ قبرِك، وفاضَت بين نَحري وصَدري نفسُكَ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
فلقد استُرجِعَت الوديعة، وأُخذت الرهينةُ، أما حُزني فسَرمَد، وأما لَيلي فمُسهَّد، إلى أن يختارَ اللهُ لي دارَك الّتي أنتَ بها مُقيم. وسُتنبؤُك ابنتُك بتضافُرِ أُمتِك على هَضْمِها، فأحْفِها السُّؤال، واستخبِرْها الحال، هذا ولم يَطُل العهدُ، ولم يَخْلُ مِنك الذِّكرُ. والسلام عليكما سلامَ مُوَدِّع، لا قالٍ ولا سَئِم؛ فإنْ أنصَرِف فلا عَن مَلالة، وإنْ أُقِمْ فلا عَن سوءِ ظنٍّ بما وعَدَ اللهُ الصابرين.
