مرتكزات النجاح وسنن الإخفاق في المشاريع الكبرى

يرتكز نجاح أي مشروع كبير وممتد بين الناس على منظومة متكاملة من الأسس الموضوعية؛ يأتي في طليعتها وجود قيادة مؤهلة، فردية كانت أم جماعية، تمتلك رصيداً من التأثير العميق، والعلم الراسخ، والخبرة العملية الواسعة. ويتكامل ذلك مع التخطيط الدقيق القائم على أهداف بينة ووسائل محددة، بمؤازرة فريق استشاري وميداني كفء يسند حركة الإدارة القيادية ويعزز قراراتها.

كما تتطلب ديمومة البناء تواصلاً مستمراً بين أضلاع المثلث الثلاثي: القيادة، والفريق المساند، والجمهور المستفيد، في إطار من الشفافية التامة والمصداقية العالية في تبيان المنجزات ورصد العقبات والتحديات. يُضاف إلى ذلك توفير الموارد المالية والمادية اللازمة واعتماد الأدوات المناسبة، وإرساء إدارة حصيفة للمخاطر تستشرف المعضلات المحتملة وتعد لها حلولاً استباقية، مع التزام صارم بمعايير الجودة في المخرجات بعيداً عن الركون إلى الحد الأدنى، لتتوج تلك المقومات كلها بثقة الناس بالقيادة وتجاوبهم الصادق معها.

الحكم العلوي: اكتمال الشروط الذاتية واستنزاف الحروب

في الشطر الأول من تجربة الحكم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، تجلت هذه الأسس بأبهى صورها، سواء في كفاءة شخصه الفريدة، أو في طليعة فريقه المساند الذي ضم نخب الأمة كمالك الأشتر، وعمار بن ياسر، وأبي الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وصعصعة بن صوحان، فضلاً عن شريحة عريضة ووازنة من الجمهور المؤمن بمساره.

غير أن توالي الحروب الضارية والأزمات الأمنية الجسيمة في حقبة زمنية خاطفة لم تكتمل فيها سنوات حكمه الخمس، أفقده بعض تلك الأركان الجوهرية؛ فتآكلت ثقة الجمهور المتردد وتلاشت عزيمته، وظل ذلك الخذلان مستشرياً حتى لحظة اغتياله. وتزامن ذلك مع استنزاف معركة صفين لصفوة رجاله وعضده الميداني، وهو الجرح الغائر الذي عبر عنه بلوعة وألم في الخطبة 182 من نهج البلاغة قائلاً: «أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ؟ وَأُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ». ثم ضرب بيده الشريفة الكريمة على لحيته فأطال البكاء، مردفاً بحسرة: «أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ». ومع فداحة هذا النزيف، أرست حكومته نموذجاً تاريخياً فريداً في النزاهة والعدالة والاستقامة المبدئية وسط بيئة تفشت فيها مظاهر الفساد والمظالم وانقلاب القيم.

خلافة الحسن المجتبى: حصار المعطيات وخيار الصلح

انتقلت أمانة القيادة إلى نجله البكر الإمام الحسن المجتبى (ع)، وهو الذي حمل في ذاته كافة المؤهلات القيادية الرفيعة، إلا أنه صدم بفقدان معظم الأسس الموضوعية لإنجاح مشروعه؛ وفي مقدمتها ثقة الجمهور وانقياده، وهو ذات الجمهور الذي نكل وتخاذل في النصف الثاني من حكم والده علي، على الرغم من عظمة مكانة علي التاريخية ورصيده التأسيسي للوجود الإسلامي وتجربته الطويلة وعلاقاته، فكيف بالحسن الذي لم يمتلك هذا الامتداد الزمني؟

زاد الطين بلة فارق السن، إذ تسلم الحسن مقاليد الأمر دون سن الأربعين، بينما شارف والده من قبله على الستين، وهو فارق كان له وقعه النفسي في نظرة الناس وتقديرهم. وإلى جانب ذلك، افتقر الإمام الحسن إلى بطانة وفريق متفانٍ يرى في إمامه أولوية تفوق الأنفس؛ وتجلى هذا الضعف في الخيانات المتسارعة التي نخرت مفاصل قيادات جيشه، وردود الأفعال القاصرة التي واجهت قرار الصلح بالرفض والطعن، وصولاً إلى رميه بجفاء بأنه “مذل المؤمنين”. دفعت هذه الظواهر القاتمة الإمام الحسن إلى التنازل المؤقت عن السلطة لمعاوية تفادياً لاستئصال من تبقى من المؤمنين، غير أن الخلافة ما إن خرجت من البيت العلوي واستقرت في البيت الأموي حتى تحولت إلى ملك عضوض ولم تعد.

فصام القيادة وانفصال الحاضنة الشعبية

أفرزت تلك المحطات فراغاً معقداً في مساحتي القيادة الميدانية والمرجعية الدينية لدى الشريحة الموالية لبيت النبوة، لا لغياب الإمام المعصوم بذاته، بل لتصدع الروابط مع الحاضنة الشعبية إثر صدمتها من الصلح وتخلي الإمام عن إدارة الدولة. وبلغ التخبط مبلغه حين سعت بعض الأطراف للالتفاف على الحسن ومطالبة أخيه الحسين (ع) بالنهوض بالقيادة بدلاً عنه، غير أن الحسين سد تلك الذريعة بحزم مبدئي، مؤكداً التزامه التام بإمامة أخيه وداعياً إياهم لاتباعه.

يوثق ابن قتيبة الدينوري في “الأخبار الطوال” هذا المشهد كاشفاً أن أول من لقي الحسن مؤنباً وداعياً لاستئناف القتال كان حجر بن عدي، وبعد حوار عاتب ومطول مع الحسن، خرج ليدخل على الحسين طارحاً المطلب ذاته: «دع الحسن، وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتَك من أهلِ الكوفةِ وغيرِها، وولّني وصاحبي هذه المقدِّمة، فلا يشعر ابنُ هند إلا ونحنُ نقارعُه بالسيوف». فأجابه الحسين بحسم: «إنا قد بايعنا وعاهَدنا، ولا سبيلَ إلى نقضِ بيعتِنا». وتتابعت الوفود تلوم الحسن وتستنهض الحسين لمواجهة معاوية، فكان رده الصارم الموحد: «صَدقَ أبو محمد، فليكن كلُّ رجلٍ منكم حِلساً من أحلاس بيته، ما دام هذا الإنسان حياً». إلا أن بعض الرموز المخلصة لم تستوعب هذه الحكمة الوقائية فخالفت الوصية، لتباغتهم أجهزة الحكم الأموي وتستأصلهم في هذا المسار.

ترافق هذا مع معضلة ذهنية تمثلت في الخلط بين القيادتين الميدانية والدينية؛ فالنبي (ص) جمع بين الولاية الميدانية والمرجعية الدينية، وكذلك فعل علي (ع). فلما جُرد الإمام الحسن من موقع “الولي” الممارس للسلطة في نظر العامة، توهموا سقوط موقعه المرجعي الديني أيضاً. أسفر هذا الانقطاع الفكري عن عزلة امتدت لعشرين عاماً تجافى فيها الناس عن أهل البيت، عاش الحسن عقداً منها والحسين عقداً آخر، وهو السبب الجوهري الذي يفسر شح ما وصلنا من نشاطهما المجتمعي آنذاك، وظلت الوجوه معرضة عنهما حتى هلك معاوية، فتذكر أهل الكوفة ميثاقهم مع الحسين وشرعوا في مكاتبته.

صدمة كربلاء ومسارات الاستيعاب المتأخر

حين استشهد الإمام الحسين (ع) في كربلاء، دوى زلزال الصدمة في أرجاء العالم الإسلامي، وتوالت ارتداداته في حركات وثورات تصحيحية متلاحقة كثورة التوابين وسواها من الانتفاضات المتعددة الغايات. لقد استفاقت الأمة على حقيقة الفراغ القيادي الذي صنعته بيديها حين انفضت عن الإمام الحسن وخذلت صلحه، والذي جر بالضرورة فراغاً في المرجعية الدينية التي نبه إليها النبي (ص) في غدير خم بحديث الثقلين: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي». وقاد هذا التيه الناس لعشرين سنة إلى الارتماء في أحضان من ملأوا هذا الفراغ من المتكسبين وغير المؤهلين الذين اشتروا دنياهم بدينهم.

دفعت فاجعة كربلاء قطاعات من جسد الأمة نحو الرجوع التدريجي لكنف أهل البيت، غير أن تلك العودة كانت في بدايتها متفرقة دون استقرار على شخصية محددة؛ فمال فريق إلى الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع)، والتف آخرون حول محمد بن الحنفية ثم ابنه الحسن، وتوجهت فئة إلى عبد الله بن عباس لمكانته وقرابته، بينما دار غيرهم في فلك أبناء الإمام الحسن، حتى استقرت الأكثرية وتوحدت رؤاها حول المرجعية العلمية والإمامية للإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) لعوامل فكرية وتاريخية متشعبة.

الشيخ علي حسن

View all posts