مقدمة في فتن التواصل ومحنة الاختلاف

قبل أيام، طرق بابَ حسابي الرقمي في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي شخصٌ لا أعرفه، طالباً الإذن بترتيب مناظرة عقائدية حول أي موضوع أختاره بنفسي. لقد كان ردي عليه بالاعتذار الصريح مؤكداً أنني لا أخوض في مثل هذه المناظرات، ودعوته للكف عن هذا الأسلوب العقيم. ووضحت له جانباً مما ورد في التراث من النهي الصارم عن الخصومة في الدين وآثارها المدمرة على الروح والمجتمع، مبسطاً له أن الباب رحب ومفتوح لمن يبتغي بيان الحق وتقديم حججه بسلام، ليترك للناس حرية الاختيار والاستماع للقول واتباع أحسنه، استجابة لقوله تعالى مخاطباً نبيه الكريم: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ۝ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21-22].

ولما أمعن في الإلحاح، وجهت وجهة أخرى تناسب واقع الأمة الأليم، فقلت له: إن كان لا بد لكم من الجدال والنزال، فتوجهوا بمجادلتكم إلى الصهاينة ومن يقف في صفهم ويدافع عن جرائمهم، وانشغلوا بنصرة أهل غزة المجوّعين والمذبوحين ليل نهار، فهذا أطهر وأحب إلى الله تعالى في مثل هذه الظروف الوجودية الحرجة التي تعصف بالأمة. غير أنه، وللأسف الشديد، ما إن سمع ذلك حتى كالت التهم وقذفني يميناً وشمالاً، مصرحاً بعصبية مقيتة: “من سبب دمار أهل غزة غير العمائم ومرضعيكم الصهاينة؟ يا شيخ أهل غزة نواصب يحبون الصحابة، ليش تدافع عن النواصب يا شيخ؟”. جاء هذا الانفجار منه في غضون دقائق معدودات، فما بالنا لو استمرت مناظرة مذهبية محتدمة لساعات أو جلسات طويلة؟ هذا هو الواقع المرير الذي نعيشه اليوم، حيث العلوم مبثوثة والبيان ناصع في آلاف المحاضرات والكتب لمن أراد الحق بصدق، فلماذا نخدم الكفر والشيطان بإيقاظ الفتنة وبث العداوة والبغضاء بين المسلمين؟

وهم المناظرات: بين ضوابط الشرع وواقع الخصومات

قد يتساءل متسائل بحسن نية: ما الضير في الدخول بالمناظرات المذهبية، ألم يكن ذلك ديدن العلماء الأعلام، ونرى اليوم العديد من السادة والمشايخ يخوضون غمارها عبر المنصات المختلفة؟ أليس الله تعالى يقول في محكم كتابه: {قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32]؟

للإجابة عن هذا التساؤل وتحرير المسألة، يجب أن نأخذ أموراً عدة بعين الاعتبار لنجلي الحقيقة ساطعة:

1. غاية الحوار: الهداية لا الغلبة

ما نفهمه من القرآن الكريم أن الأصل الأصيل في أي حوار أو جدال يجب أن يكون منصباً على هداية الطرف الآخر لا التغلّب عليه بالضربة القاضية أو جمع النقاط والمكاسب الرخيصة. والفرق شاسع بين الغايتين من حيث الموضوع، والأسلوب، والنتائج؛ وهذا هو المراد الحقيقي من حوارات الأنبياء كنوح (ع). فالمناظرات الجارية اليوم غالباً ما تغرق في تفريعات كيدية تقبل الاجتهاد ويختلف فيها حتى أتباع المذهب الواحد، فلا تثمر سوى تراكم الخلافات والأحقاد الدفينة دون الوصول إلى حقيقة أو صواب.

إن الذي يبتغي الهداية يلتزم بحدود أدبية وفكرية رفيعة في الخطاب والأسلوب والمضمون. وخذ مثلاً نموذجاً سامياً من كتاب (المراجعات) للسيد شرف الدين، فتأمل ذلك الأدب الجم وطلب المعرفة الراقي حين يقول العالم السني بعد مقدمات السلام: “وإني لواقف على ساحل بحرك اللجّيّ، أستأذنك في خوض عبابه والغوص على درره، فإن أذنتَ غُصنا على دقائق وغوامض تحوكُ في صدري منذُ أمدٍ بعيد، وإلّا فالأمر إليك…”. فيرد عليه السيد شرف الدين بكل تواضع وبلاغة: “خوّلتَني بكتابك العطوف مِن النعم، وأوليتني به من المنن ما يَعجز عن أداء حقّه لسانُ الشكر، ولا يستوفي بعضَ فرائضه عمرُ الدهر…”. ظل هذا التبادل الراقي متزناً وطاهراً حتى النهاية رغم عمق المساس بموضوعات حساسة كالإمامة والخلافة. أما ما يجري في ساحات التواصل اليوم فشيء آخر تماماً من الاستهزاء، والاتهامات الجائرة، والكلمات المقذعة، والشحناء، وكل شيء إلا الكلمة الطيبة والحرص على الهداية.

2. غياب المنهجية العلمية والوقوع في الافتراء

الكثير من المناظرات المعاصرة لا تستند إلى أساس علمي رصين، وإن ادّعت ذلك زوراً، فيكثر فيها الكذب، والتهرّب، والتأويلات الباطلة، وتركيب الافتراضات الهشة، والمزاجية المقيتة. وقد أشار الإمام الصادق (ع) في رواية يونس بن يعقوب إلى هذا المعنى العميق بقوله: “وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْكَلَامِ؛ يَقُولُونَ: هذَا يَنْقَادُ وَهذَا لَا يَنْقَادُ، وَهذَا يَنْسَاقُ وَهذَا لَا يَنْسَاقُ، وَهذَا نَعْقِلُهُ وَهذَا لَا نَعْقِلُهُ”. أي أنهم لا يسيرون وفق موازين قرآنية وإيمانية ومنهجية دقيقة، بل يخضعون لقواعد اخترعوها وآراء استمزجوها فجعلت حاكمة على النصوص والنتائج، ولذا أعقبها بالتحذير الشديد: “فَوَيْلٌ لَهُمْ إِنْ تَرَكُوا مَا أَقُولُ، وَذَهَبُوا إِلى مَا يُرِيدُونَ”، وهو منهج يبعدهم تماماً عن الحقيقة والنور الذي يزعمون ابتغاءه.

3. مآلات المراء والخصومة في الدين

تزخر النصوص الشريفة بالتحذير البالغ من (المراء)، وهو الجدال المبتغى به غلبة الخصم، أو الاستعلاء المعرفي، أو مجرد الجدال للجدال. ومن شواهد ذلك قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]. فالمهمة تنتهي بإقامة الحجة وإبلاغ الهدى بالحسنى، ومَن أبى وضَلَّ فإنما يتحمل وزر ضلاله وأمره إلى الله، وليس عليك هداهم ولا ملاحقتهم.

وعن النبي الأكرم (ص) أنه قال: “… وأَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقّاً”. وما ذاك إلا لأنه يجاهد هوى نفسه ويكبح جماحها تقرباً إلى الله. وفي السياق ذاته، يحذر الإمام الصادق (ع) قائلاً: “إيّاكم والخصومة في الدّين، فإنّها تُشغل القلب عن ذكر الله عزَّ وجلَّ”، فهي تقطع حبل الصلة بالخالق، وتُورث النفاق لأنها تحول النية الخالصة إلى معركة شخصية بغطاء ديني، وتكسب الضغائن، وتستجيز الكذب؛ إذ يأبى المنتصر لنفسه الهزيمة فيلجأ للأكاذيب مبرراً إياها بنصرة العقيدة.

ولعل المشهد الخالد الذي رواه التاريخ يلخص هذه الحقيقة بجلاء؛ حين قال رجل للإمام الحسين (ع): “اجلس حتى نتناظر في الدين”، فأجابه الإمام بوعي العارف: “يا هذا، أنا بصيرٌ بديني، مكشوفٌ عليّ هداي، فإن كنت جاهلاً بدينك فاذهب واطلبه. ما لي وللمماراة؟! وإن الشيطان ليوسوس للرجل ويناجيه ويقول: ناظِر الناس في الدين كي لا يظنّوا بك العجز والجهل”.

فقه الأولويات في زمن المخاطر الوجودية

إن الإنسان المؤمن المتزن لا ينساق خلف كل صخب وإثارة رخيصة، بل يقيس الأمور بميزان الأولويات الحكيم. وحتى لو افترضنا جدلاً وجود قضايا مذهبية تستدعي النقاش، فإن ما تمر به الأمة اليوم من أزمات ومخاطر وجودية كبرى يفرض حتمياً تأجيل المهم لتقديم الأهم.

إن المخططات الاستعمارية والصهيونية الخبيثة، وما يطرح اليوم تحت عنوان (ممرّ داود) وإحياء مشروع (إسرائيل الكبرى)، فضلاً عن المخاضات الدموية التي تمزق جسد المنطقة، توجب علينا بصرامة رفض أي طرح أو مشروع يوقظ الفتنة، ويُعمّق الجراحات الطائفية، ويهشم الصف الإسلامي الممزق أساساً. وفي المقابل، تقتضي المسؤولية الشرعية والأخلاقية دفع الجهود نحو كل خطوة تجمع الكلمة، وتنزع فتيل الأزمات، وتوحد الموقف في مواجهة الخطر الوجودي المحدق بالجميع.

خاتمة وخلاصة توجيهية

إن جُلَّ ما يثار اليوم تحت عنوان “المناظرات المذهبية” يقع في صدام صريح مع الوصايا الإلهية والنبوية التي تحذر من المراء والخصومة، كونه ينطلق من رغبات شخصانية وهوس قهر الخصوم بعيداً عن المنهجية العلمية والإخلاص لله تعالى. من هنا فإننا نجدد الدعوة الصادقة لالتزام النداء الإلهي العظيم: {وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوّاً مُبِيناً} [الإسراء: 53]. إنها دعوة نبيلة ترسم للإنسان دور الحقيقي في استثارة عوامل الخير والبناء في الإنسانية، عوضاً عن تأجيج عوامل الشر والدمار.

وهذا المعنى يتقاطع تماماً مع ما روي عن عبد السلام بن صالح الهروي حين قال: “سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا [ع] يقول: رحم الله عبداً أحيا أمرنا. فقلت له: وكيف يُحيي أمرَكم؟ قال: يتعلمُ علومَنا ويعلمُها الناس، فإنّ الناس لو علِموا محاسنَ كلامِنا لاتّبعونا. قال: قلت: يا بن رسول الله، فقد رُوي لنا عن أبي عبد الله [ع] أنه قال: مَن تعلّم علماً ليماري به السفهاء، أو يباهي العلماء، أو ليُقبِلَ بوجوهِ الناس إليه فهو في النار. فقال [ع]: صدق جدي [ع]”.

الشيخ علي حسن

View all posts