مدخل نبوي في سيكولوجية المرأة

يمثل الهدي النبوي منطلقاً تأسيسياً في قراءة النفس الإنسانية وضبط العلاقات الأسرية، حيث ورد عن النبي (ص) قوله البليغ: «قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً».

يأتي هذا الطرح استكمالاً لما تم تناوله في الأسبوع الماضي حول الخصائص النفسية للرجل والواجب على الزوجة تفهمها لإنجاح العلاقة الزوجية، ليتجه الحديث اليوم نحو الطرف المقابل؛ إذ يُطالب الزوج شرعاً وعرفاً بفهم العناصر الأساسية في شخصية المرأة عموماً، وشخصية زوجته خصوصاً، واستيعاب حاجاتها النفسية والجسدية. ويجري هذا التناول بالتركيز على «المرأة السوية»، تماماً كما كان الحديث سابقاً منصباً على «الرجل السوي»، بعيداً عن الحالات الاستثنائية كالمرأة الجشعة، أو النرجسية، أو تلك التي نشأت في منبت سوء.

مؤشرات ودراسات: لغة العاطفة كضرورة أمان

تتقاطع الدراسات الاجتماعية مع المفهوم الديني في تحديد أولويات المرأة؛ إذ يوضح أحد المختصين في مجال العلاقات الأسرية نتائج استبيان ميداني أجراه حول أهم مطلبين تريدهما المرأة من شريكها، فخلص إلى أن الأولوية القصوى تتجسد في: «الاهتمام والشعور بالأمان».

وتتعزز هذه النتيجة بما أظهرته دراسة رسمية صادرة عن إدارة الاستشارات الأسرية بوزارة العدل حول أسباب الطلاق بين حديثي عهد بالزواج؛ حيث برز سبب «عدم إبداء الطرف الآخر كلمات الحب والإعجاب» كدافع محوري للفرقة. وأظهرت البيانات الإحصائية للدراسة تبايناً لافتاً في الوعي بهذا العامل:

  • وافق 24.4% من الذكور على أن غياب هذا التعبير يعد سبباً للطلاق.
  • قفزت نسبة الموافقة لدى الإناث لتصل إلى 43%، أي ما يقارب ضعف نسبة الرجال.

يكشف هذا التفاوت الإحصائي أن الاستماع للكلمات العاطفية التي تعكس اهتمام الرجل ليس ترفاً هامشياً في التكوين النفسي للمرأة، بل هو حاجة جوهرية تستدعي تفكيك مساراتها وتطبيقاتها العملية.

أربع رسائل عاطفية يحتاجها قلب الزوجة

1. الإشادة بذكائها وطريقة تفكيرها:

يحتاج الزوج إلى مدح عقل زوجته وتقدير رأيها؛ كأن يبين لها بوضوح أن الفكرة أو المشورة التي قدمتها له في مسألة معينة أسهمت عملياً في بلوغ هدفه وحل مشكلته. يحمل هذا المديح رسالة واضحة تؤكد لها أنها شريك مهم ومؤثر في مسار حياته، مما يرفع تلقائياً منسوب ثقتها بنفسها وبه.

2. الثناء على جمالها ومظهرها الخارجي:

ينبه القرآن الكريم إلى هذا التكوين الفطري في قوله تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ…} [الزخرف: 18]، وهي إشارة قرآنية واضحة للرجل بأن المرأة تمنح شكلها ومظهرها وزينتها أولوية كبرى؛ لذا فإن مفتاح قلبها يكمن في مدح هذه العناية. وإذا ما صدر عنها شكوى عابرة كقولها: «أعلم أني لست جميلة»، فالحذر من الردود الجارحة غير الموفقة مثل: «المهم جمال الروح أو الأخلاق»، أو «المهم طبخك اللذيذ»؛ فهذه العبارات تؤذي مشاعرها وإن حسنت نية قائلها. والبديل الأنسب هو مدح عطرها، أو أناقتها، أو لمساتها المتميزة في التزين.

3. إبراز قيمة الرابطة الزوجية والامتنان لها:

تحتاج الزوجة إلى سماع تعبير صريح يعكس اعتزاز الزوج بالعلاقة التي تجمعهما؛ كأن يؤكد سعادته بالارتباط بها، وشكره لله على جمعهما سوياً، وبيان أنها أضفت معنى خاصاً ومميزاً على حياته، مع توجيه الشكر والتقدير المستمر لدعمها ومساندتها وسهرها على تربية الأطفال وتدبير شؤون الأسرة.

4. الإنصات الواعي والمشاركة العاطفية:

يتطلب التواصل الناجح إبداء اهتمام حقيقي بالأحاديث التي تطرحها—ما لم تكن محرمة كالغيبة والنميمة والبهتان، فالكلام هنا عن الأحاديث المباحة والمعتادة—. غالباً ما تبحث المرأة في حديثها عن مشاركة وجدانية وتأييد نفسي يشعرها بالمساندة والاهتمام لرأيها، وليس عن حلول إجرائية أو توجيهات عملية. هذا التفاعل الإيجابي البسيط يحمل إشارات طمأنة بالغة الأهمية تقوي عرى المودة والتقارب.

الجفاف العاطفي: شرارة الصدام وحالات من الواقع

يعد الجفاف التعبيري أصل البلاء في كثير من الخلافات الزوجية؛ حيث يكف الطرفان عن تبادل المشاعر اللفظية، ويدخلان في دائرة الانتظار السلبي: هي تنتظر مبادرته، وهو ينتظر منها ذلك، بينما تتدخل عزة النفس لدى كليهما لفرض الصمت، فتكون النتيجة انفجار النزاعات على أتفه الأسباب.

ومن الشواهد الواقعية في هذا السياق، واقعة زوجين وصلا إلى مرحلة الانفصال المؤقت وراجعا طلب الاستشارة؛ وبعد الاستماع للطرفين تبين أن الحوار بينهما اختزل في متطلبات المنزل وأزماته فقط، مع قلة كلام الزوج وبروده العاطفي التام. وضعت الاستشارة يدها على أصل المشكلة: الجفاف التعبيري.

وبمجرد تذكيرهما بأيام الخطوبة وبدايات التعارف—كيف كان الزوج يفيض في التعبير عما يختلجه ويحرص على إطالة الحديث معها، وكيف كانت تقابله بالمثل—أدركا حجم الغفلة التي وقعا فيها، وقررا تصحيح المسار واستعادة لغة التواصل القديمة، ليخرجا بابتسامة وامتنان طويا بهما صفحة الخلاف وعادت الحياة بينهما إلى مجراها الطبيعي.

بيولوجيا الصمت: لماذا يتكاسل الرجال عن التعبير؟

يطرح التساؤل نفسه: لماذا يستثقل أغلب الأزواج البوح العاطفي؟ تجيب الباحثة «آن موير» في كتابها الشهير «جنس الدماغ» عن هذه المعضلة من زاوية علم الأعصاب:

«الرجال مكيفون على عدم التعبير عن مشاعرهم، ذلك لأن قدرتهم على الإحساس بالمشاعر مفصولة في أدمغتهم بتكوينها المادي عن قدرتهم على الإفصاح اللفظي بدرجات أكبر من النساء».

يميل الرجل بطبيعته وتكوينه إلى التعامل مع من حوله وفق هذا النمط الجاف؛ فالتعبير عن مشاعر الصداقة والتقدير بين الرجال نادر جداً، غير أن خطأه الفادح يكمن في معاملة زوجته بنفس الطريقة متناسياً الفارق الفطري بينها وبين أقرانه.

يتطلب هذا الواقع من الرجل أن يدرك هذا الفارق الخَلقي ويجاهد لتجاوزه؛ فيدرب نفسه، ويراقب سلوكه، وينبه وعيه بصورة مستمرة حتى يتحول الإفصاح اللفظي عنده إلى عادة وسلوك تلقائي.

المعادلة المتوازنة لحفظ الميثاق الغليظ

جعل الله سبحانه رابطة الزواج قائمة على المودة والرحمة كأصل تكويني وتشريعي: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]. إلا أن الاختلاف في طبيعة تكوين الدماغ قد يوقع الرجل في شرك الصمت والغفلة عن عبارات الثناء والإعجاب، فتتوهم المرأة تراجع مكانتها في قلبه.

وهنا تتضح الحكمة النبوية العميقة في التشديد على الكلمة الطيبة: «قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً»؛ إذ لو كان التعبير أمراً سهلاً وتلقائياً لكل الرجال لما استدعى هذا التنبيه المؤكد.

تقوم المعادلة الأسرية الناجحة على محورين متكاملين: أن يبذل الزوج وسعه في مغالبة طبعه للتعبير المستمر عن حبه وتقديره، وأن تتفهم الزوجة في المقابل حقيقة هذا الاختلاف التكويني فتعينه وتلتمس له العذر، واضعة في حسبانها أن المشكلة قد تكمن في تركيبة دماغه اللفظية لا في مشاعر قلبه. وليدرك كلاهما دائماً أن للكلمة الصادقة الجميلة أثر الفرشاة الساحرة في يد فنان مبدع، قادرة على تلوين الحياة الزوجية بأبهى صور الاستقرار.

الشيخ علي حسن

View all posts