مدخل إلى عالم المنامات
يتسم الحديث حول الرؤى والأحلام بتشعب واسع وتداخل بين ما هو نفسي، وغيبي، وموروث شعبي. والغاية الأساسية هنا ليست استقصاء الظاهرة بكل تفاصيلها، بل التنبيه على جملة من المعايير والضوابط التي تسهم في بناء تصور دقيق وموقف متزن تجاه ما يراه الإنسان في منامه، بعيداً عن الإفراط في التعويل أو الوقوع في الأوهام.


مراتب المنامات وتباين الرؤى الصادقة
من المسلّم به عقلاً وتجربة أن ما يراه الإنسان أثناء نومه لا يجري على نسق واحد؛ إذ يمثل الجانب الأكبر منه أضغاث أحلام وانعكاسات لهواجس النفس وتراكمات الذاكرة. وحتى تلك الرؤى التي تصدق في الواقع، تتفاوت مراتبها وتتنوع أشكالها:

  • رؤى رمزية غامضة تحتاج إلى تأويل: رأى ملك مصر المعاصر للنبي يوسف—وهو رجل مشرك—رؤيا غريبة في مضامينها: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسنابل خضر وأخرى يابسات. ولغرابتها عجز ملؤه عن فهمها، فقالوا: {أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ} [يوسف: 44]، غير أنها كانت رؤيا صادقة تحققت بالفعل بعد أن فكك يوسف (ع) رموزها.
  • رؤى إشارية غيبية: رأى يوسف الصديق في طفولته أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين، فكانت رؤيا صادقة غامضة المظهر احتاجت سنين طويلة لتتجسد حقيقة واقعة.
  • رؤى واضحة جلية لا تحتاج إلى تفسير: رأى النبي الخاتم (ص) رؤيا صريحة ومباشرة وثقها القرآن الكريم: {لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ} [الفتح: 27]، فتحققت بحذافيرها دون حاجة إلى تأويل رمزي.

تثير هذه النماذج المتنوعة تساؤلاً جوهرياً حول كنه ومصدر المنامات الصادقة: هل هي إلهام غيبي، أم كشف روحي، أم حاسة بشرية كامنة؟ لا يملك أحد حكماً يقينياً قاطعاً؛ فالمصادر والكيفيات قد تتعدد وتتباين، والجامع بين الرؤى السابقة أن الملك المشرك، ويوسف الطفل، والنبي المؤيد بالوحي، رأى كل منهم رؤيا تحققت، مع فارق شاسع في المقامات ومصادر الإدراك التي يعلم حقيقتها الله وحده.


مأزق كتب التعبير وغياب القواعد المنضبطة
فيما يتعلق بالقسم الرمزي الغامض، يبرز إشكال منهجي كبير: غياب المعايير العلمية المنضبطة والقواعد الثابتة للتأويل، حيث تظل أغلب التفاسير المطروحة ضرباً من الاستحسانات الذوقية والتخمينات الظنية.

وقد يتذرع البعض بوجود نصوص دينية أو مرويات تُسند إليها كتب التعبير؛ غير أن التدقيق النقدي في هذا التراث يبطل حجية الاعتماد عليه. وفي هذا السياق، وضع العلامة المجلسي في بحار الأنوار تحذيراً حاسماً قبل إيراده لنماذج من تفاسير المنامات، قائلاً: «نورد فيها بعض ما ذكره أرباب التعبير والتأويل، وإن لم يكن لأكثرها مأخذٌ يصلح للتعويل».

وعقب سرده لتلك النماذج، أردف مبيناً علل التهافت: «ولا يُعتمد على أكثرها؛ لابتنائها على مناسبات خفيّة، وأوهام رديّة، والأخبار التي رووها أكثرها غير ثابتة. وقد جرت التجربة في كثير منها على خلاف ما ذكروه… ثم إنها تختلف كثيراً باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان».

يتلخص سقوط الاعتماد على كتب التعبير في ثلاث علل رئيسية:

  • خصوصية الحالات: إن ما ورد من تفاسير تاريخية إنما كان معالجة لظروف شخصية خاصة لا يصح تعميمها أو القياس عليها.
  • ضعف الأسانيد: افتقار المرويات المنسوبة في هذا الباب إلى السند الصحيح المعتبر.
  • بطلان التجربة: إثبات الواقع العملي خطأ الغالبية الساحقة من تلك التأويلات وتناقضها المستمر.

التوجيه النبوي: التحذير من التشاؤم في التعبير
أرشدت التوجيهات النبوية إلى تجنب التفسيرات القاتمة التي تورث هماً وتزرع تشاؤماً لا مبرر له. روى الكليني في الكافي بإسناده عن الحسن بن الجهم، عن الإمام الرضا (ع): «الرؤيا على ما تُعبَّر»، ثم ساق الإمام شاهداً تاريخياً معبراً:

جاءت امرأة في عهد رسول الله (ص) وكان زوجها مسافراً، فرأت في منامها أن جذع بيتها قد انكسر—وهو انعكاس نفسي طبيعي لخوفها وقلقها على غيبة معيلها—. فلما قصت ذلك على النبي (ص)، راعى الجانب النفسي ولم يحمل الرؤيا على محمل الموت والفقد، بل قال لها مطمئناً: «يَقْدَمُ زَوْجُكِ وَيَأْتِي وَهُوَ صَالِحٌ»، فقدم كما قال. وتكرر المشهد في سفرة ثانية وعاد الزوج سالماً بعد تطمين النبي.
وفي المرة الثالثة، غاب الزوج ورأت المنام ذاته، فلقيت رجلاً أعسر متشائماً وقصت عليه، فقال لها بجفاء وقسوة: «يموت زوجك!»، فبلغ ذلك النبي (ص) فأنكر صنيعه معاتباً: «أَلَا كَانَ عَبَّرَ لَهَا خَيْراً؟!».

يكشف هذا الموقف أن تأويل المنام بالسوء ليس قدراً لازماً، بل تصرف طائش يُدخل الحزن على القلوب استناداً إلى رجوم الغيب.


ضوابط شرعية: حجية الأحكام وحقوق العباد

أولاً: نفي مدخلية المنامات في التشريع
أجمع جمهور فقهاء المسلمين على أن الرؤى والمنامات لا مدخل لها في استنباط الأحكام الشرعية، ولا يُبنى عليها حلال ولا حرام، حتى وإن ادعى الرائي مشاهدة نبي أو إمام معصوم.

جاء في الكافي بإسناده عن عمر بن أذينة، عن الإمام جعفر الصادق (ع) رداً على دعوى تشريع الأذان عبر منام رآه أبيّ بن كعب: «كَذَبُوا؛ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرَى فِي النَّوْمِ…». فالشريعة مبنية على الأدلة المحكمة والبينات المعتبرة، ودين الله أرفع من أن يُستقى من أطياف الكرى.

ثانياً: حرمة ترتيب الآثار السلوكية والقضائية على الآخرين
يحرم شرعاً اتخاذ الرؤى مستنداً للحكم على ذمم الناس وأخلاقهم وسلوكياتهم؛ كأن يستيقظ شخص فيتهم فلاناً بالسرقة، أو يعتقد مكر فلان به، أو يرمي فلانة بفاحشة بناءً على حلم رآه أو تأويل باطل ساقه له عابر سبيل.

إن هذا السلوك ضرب من سوء الظن المحرم، وولوج في البهتان والقذف، واستجابة صريحة لنزغات الشيطان وهواجس النفس الخبيثة، وقد قال تعالى محذراً من هذه المزالق التي تمزق النسيج الاجتماعي: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91].


خلاصة الموقف الواعي
تتجه هذه الرسالة الصريحة لكل من يتسرع في ترتيب آثار عملية على أحلامه—سواء في قراراته الخاصة، أو في تعامله مع محيطه، أو في إساءة الظن بعباد الله، أو في التماس أحكام شرعية عبر اجتهادات شخصية وتتبع لمنتحلي مهنة التعبير:

  • ليس أحد منا كيوسف الصديق حين سجدت له الكواكب.
  • وليس أحد منا كخاتم الرسل (ص) حين عاين فتح المسجد الحرام بالحق.
  • وليس المعبّر الجالس أمامك بيوسف الصديق المؤيد بتأويل الأحاديث؛ فالأمر كله لا يعدو في غالبه أضغاث أحلام وخيالات لا تستند إلى أصل.

وإذا رأى أحد ما يسوؤه أو يزعجه، فليتسلح بالوعي القرآني الحاسم: {إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} [المجادلة: 10]؛ فليستعذ بالله، وليتوكل عليه، وليتقِ الله في نفسه وفي عباده.

الشيخ علي حسن

View all posts