قال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) [آل عمران:137-138]. قال العلامة الطباطبائي: (السُّنن جمع سُنّة، وهي الطريقة المسلوكة في المجتمع). ولماذا أمر الله تعالى بالسير في الأرض؟ قال العلامة: (لمكان الاعتبار بآثار الماضين من الأمم الغابرة). وكيف سيتعامل الناس مع كلام الله تعالى؟ قال: (هو بلاغ وإبانة لبعض) أي أن قسماً من الناس لن يستفيدوا من هذا البيان الإلهي (وهدى وموعظة لآخرين).
إن هذه الآية الشريفة تتضمّن دعوة للقراءة التحليلية والعميقة للأحداث والمنعطفات الكبرى في تاريخ الأمم، وكما قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [غافر:82]. وبعبارة أخرى، تكرار الأخطاء يعني تكرار النتائج، لأنها قوانين تحكم حركة التاريخ. ولذا سقطت الدولة الأموية في غضون مائة سنة، على الرغم من أنها كانت ممتدة من مشرق العالم القديم إلى مغربه، كما كانت -بحسب ظاهرها- حكماً قائماً باسم الإسلام وخلافة إسلامية، فهل شكّل شيء من هذا حصانة بالنسبة إليها؟ كلا. وسقط الاتحاد السوفييتي سقوطاً مدوّياً وتفككت الإمبراطورية في غضون سبعين سنة، وبأبشع صورة، على الرغم من كل الأسلحة المتطوّرة، والإمكانات البشرية والاقتصادية الهائلة والامتداد الجغرافي، ومجدداً كل هذا لم يشكّل حصانة بالنسبة إليها.
قوانين استقرار الدول في الفكر الإسلامي وتطوره الإنساني
وكما نبّه القرآن الكريم إلى ذلك، ودعا إلى التدبّر في الأمر، اهتمّ أمير المؤمنين علي (ع) بهذا الموضوع وطرحه في أكثر من خطبة له، كما هو مثبت في نهج البلاغة، وجمعها وحللها (حسن السعيدي) في كتابه (السنن التاريخية في نهج البلاغة). ومن بين نصوص نهج البلاغة خطبة ألقاها الإمام (ع) في صفين وجاءت برقم 216، يقول في جانب منها: (وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ، عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ الْوُلاَةِ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ. فَإِذا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا، عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا [مُجراها] السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ. وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ…) فهذه سنن وقواعد تحكم حركة التاريخ. وقد تحوّل هذا الموضوع إلى علم وتخصص عندما كتب ابن خلدون مقدمته على موسوعته التاريخية المشهورة، ثم تطوّر ذلك في إطار (علم الاجتماع)، وكذلك (فلسفة التاريخ).
الديموغرافيا كأداة للتنبؤ: قراءة في سقوط الاتحاد السوفيتي
ابتكر مفكّر فرنسي معاصر اسمه (إيمانويل تود) قبل عدة عقود طريقة جديدة في تحليل هذه الأحداث تعتمد على علم السكّان (الديموغرافيا)، وهو فرع من علم الاجتماع والجغرافيا البشرية، يقوم على دراسة علمية لخصائص السكان المتمثلة في الحجم، والتوزيع، والكثافة، والتركيب، والأعراق، ومعدّلات المواليد، والوفيات، والهجرة، ونسب الأمراض، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، ومتوسط الأعمار والجنس، ومستوى الدخل، وغير ذلك. فبدلاً من الاعتماد على أدوات التحليل السياسي التقليدية، وظّف (تود) الدراسات الديموغرافية لتحليل أوضاع الدول ومستقبلها.
ففي سنة 1976، ألّف كتاباً أسماه (السقوط الأخير) وتنبأ فيه -وهو في الخامسة والعشرين من عمره- بانهيار الاتحاد السوفييتي قبل وقوعه بثلاثة عشر سنة، وذكر هناك أن تحليل المعطيات الديموغرافية يُظهِر أن هذه الامبراطورية آيلة للسقوط لا محالة. آنذاك، كان الاتحاد السوفييتي قوة عظمى، تُنافس الولايات المتحدة في كل المجالات، وتنشر جيوشها في كل الكتلة الشرقية، ويمتد تأثيرُ سياساتِها أنحاءَ الكرةِ الأرضية، فما هي أسس النتيجة التي توصّل إليها؟ هل كانت على طريقة المنجّمين وقرّاء الطالع وما أكثرهم هذه الأيام؟ بالتأكيد لا. هل من خلال المعطيات الخاصة بالاقتصاد والتعليم والفساد؟ لا. لقد شرّح (تود) المجتمع السوفياتي، وحلّل المعطيات الديموغرافية فيه، من إحصائيات خاصة بمعدلات وفيات الأطفال الرضّع، وانخفاض نسبة المواليد وأمثال ذلك، ووظّف بعض المعادلات الرياضية والإحصاء والجبر، ووصل في نهاية المطاف إلى استنتاجات كانت مثار سخريةٍ واستهجانٍ آنذاك، ولكن ثبت خلال ثلاث عشرة سنة أنها كانت صحيحة.
الصفر الديني ومستقبل الغرب الغامض
بعد عقود، عاد (تود) ليستخدم نفس الأدوات الإحصائية بشكل أساسي ليقدّم نبوءة جديدة، ونبوءتُه هذه المرّة تخصّ مستقبل الغرب، وشرح ذلك في كتابه الذي صدر في بداية هذا العام (2024) بعنوان (هزيمة الغرب). في هذا الكتاب، يتحدث (تود) عن أن القراءة التحليلية التي ابتكرها هو والخاصة بالديموغرافيا من خلال الدراسة التحليلية لأوضاع العلاقات الأسرية والحياة الروحية والدين، كلها تشير إلى مستقبل غامض ينتظر الغرب الذي يقف اليوم على شفا حفرة، وأن القراءة التحليلية التقليدية من خلال المعطيات الخاصة بالاقتصاد والتعليم والفساد تؤكد ذلك.
النقاط التي أثارها عديدة، وأتوقّف عند واحدة منها، وهي تأثير غياب الدين في الغرب على المصير الذي ينتظره. يَعتبر (تود) أنه لما امتدّ الإصلاح الديني البروتستانتي الذي اعتنى بالعلم والتعليم، نهض الغرب، فللدين المتصالح مع العلم -بحسب تود- دور في إنجازات الحضارة الغربية. أما اليوم، فقد وصل الغرب إلى ما أسماه (الصفر الديني)، وهو ما أنتج فوضى في القيم والمعايير، من قبيل (أيديولوجيا الهويات الجنسية) كالجندرة والشذوذ، وتقديم نموذج سيئ للأسرة والذي بات يهدد الحياة الاجتماعية ككل، ويهدد مصير الدول الغربية بشكل حاسم.
أهمية البعد السكاني في صياغة القرارات الوطنية
وسواء اتفقنا مع المفكر الفرنسي (تود) في إمكانية الاعتماد على القراءة الديموغرافية التحليلية فحسب في التنبؤ بمستقبل الدول والحضارات، أو اختلفنا معه، إلا أنّه دقّ -بذلك- ناقوسَ الخطر حول دور الأبعاد الخاصة بهذا العلم على مستقبل الأوطان. وما أودّ استخلاصه من الأمثلة والنصوص السابقة التي ذكرتها في الخطبتين الأولى والثانية، أن البُعد الديموغرافي (أي ما له علاقة بعِلم السكّان) في أي دولة من الممكن أن يُحدِّد مصيرها. فعندما أخبر المفكر الفرنسي إيمانويل تود عن مستقبل الاتحاد السوفييتي قبل وقوعه بأكثر من عشر سنوات، فإنما اعتمد في ذلك على هذا البُعد من خلال دراسة علمية لخصائص السكان، المتمثّلة في الحجم، والتوزيع، والكثافة، والتركيب، والأعراق، ومعدّلات المواليد والوفيات والهجرة، ونِسب الأمراض، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، ومتوسط الأعمار، والجنس، ومستوى الدخل، وغير ذلك.
ومن هنا، فإن أيّة قرارات خاطئة أو متسرّعة تخصّ هذه الجوانب بشكل حاد، قد يكون من شأنها أن تُلحِقَ بأي بلد انتكاسةً تكون لها تأثيرات سلبية عميقة، وارتدادات متلاحقة على أكثر من صعيد. أبسط مثال على ذلك القرار الخاص بعدم تجديد الإقامة لمن تجاوز الستين من الوافدين، والذي ترك بصمة سلبية في غضون سنوات قلائل وعلى أكثر من صعيد، وهو ما تنبّهت إليه الحكومة الحالية، فعملت على إلغائه، وحسناً فعلت. إنّ انعكاسات القرارات التي تخصُّ الصحّة والتعليم والإقامة والمسكن والعمل والهوية الوطنية ومصادر الدخل، لا تتوقّف عند حدّ الآثار السلبية المترتّبة على الأفراد أنفسهم بحيث نتوقّع من كلٍّ منهم أن يتكيّف مع وضعه الجديد، بل إنّ المسألة مسألة مستقبل وطن بأكمله، وهو ما يتطلّب وقفةً متأنّية، ومراجعةً علميةً جادّة، ولا نشك أن القيادات الحكيمة في البلد تمتلك مقوّمات ذلك كلِّه.

