التطهير العرقي (Ethnic cleansing) هو عبارة عن ممارسة عنصرية عنيفة تقوم فيها مجموعة عرقية أو دينية معينة بعملية إزالة ممنهجة وقسرية لمجموعة أو مجموعات أخرى قد تعيش معها في نفس البقعة الجغرافية. ويتم ذلك من خلال الإبادة الجماعية، أو التهجير، أو الإرهاب وارتكاب الجرائم وسلب الأمن، بهدف إخلاء المكان لها والسيطرة عليه.

ورغم أن أصل هذه الممارسة موغل في القدم تاريخياً، إلا أن عُمر المصطلح نفسه أقل من مئة سنة؛ حيث ظهر في أوروبا في أجواء الحرب العالمية الثانية، وهو مصطلح يستبطن الكثير من الخبث والتضليل والمغالطات التاريخية والإنسانية.

التلاعب بالوعي: من الاستعمار إلى التطهير

لقد تم ابتكار هذا المصطلح بكل خبث ومكر، تماماً كما ابتُكر مصطلح (الاستعمار) المشتق من العمران والتنمية والبناء، في حين أن حقيقته هي احتلال للأرض، وانتهاب للخيرات، واستعباد للشعوب.

وهكذا الحال في مصطلح (التطهير العرقي)؛ فقد ارتكب الكروات مجازر إبادة جماعية بحق الصرب في يوغسلافيا السابقة أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل إلغاء الوجود الصربي في بقعة جغرافية معينة، وابتكروا لتبرير ذلك مصطلح (تطهير الأرض). ثم جاء الصرب لاحقاً وارتكبوا إبادة جماعية بشعة بحق الكروات والبوسنيين، وطوّروا المصطلح إلى (التطهير العرقي)، ليدخل بعد ذلك في القاموس اللغوي للشعوب.

ولنلاحظ هذه المفارقة العجيبة والوقحة: في حين أنهم يتكلمون عن جرائم إبادة ومجازر ووحشية مروعة، يتحدّثون عنها بعنوان (تطهير) Cleansing! أيُّ تطهيرٍ هذا الذي يقوم على سفك الدماء البريئة، واغتصاب الحقوق، والظلم، والوحشية والعدوان؟

إن القرآن الكريم يؤصل لحرمة الدماء بشكل قاطع حين يقول: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) [المائدة:32].

وهو ما تؤكده التوراة في الوصايا العشر إذ تقول: (لاَ تَقْتُلْ)، وتقول: (مَنْ ضَرَبَ إِنْسَانًا فَمَاتَ يُقْتَلُ قَتْلًا)، وتقول: (وَلاَ تَقْتُلِ الْبَرِيءَ وَالْبَارّ). وفي الإنجيل: (قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ).

ففي كل الشرائع السماوية والإنسانية عبر التاريخ، يعتبر القتل العمد لفردٍ واحد جريمة كبرى تستوجب العقوبة المغلّظة، فكيف بجريمة الإبادة الجماعية؟ إن القتل العمد هو إفساد وظلم وظلمات، ولكنهم -بكل بساطة وخبث- يتلاعبون بالوعي واللاوعي الإنساني، ويُقدِّمون مبرّرات مسبّقة للجرائم الوحشية التي يرتكبونها ليخفِّفوا من وطأتها الاستنكارية، بل وليعطوا لأنفسهم الحق والمشروعية فيما ارتكبوا، مصورين الآخرين كنجاسة وقاذروات يجب تنظيفها وتطهيرها. هذه هي العقلية الشيطانية بامتياز.

وبالمناسبة، فإن بن غفير وزير الأمن الإسرائيلي المتطرف استعمل ذات الأسلوب المضلل حين سمّى كل ما يجري في غزة من إبادة وتجويع وتدمير بـ: (التشجيع على الهجرة الطوعية من غزة)!!

الجذور التاريخية لجرائم الإبادة: فرعون وبني إسرائيل نموذجاً

تاريخياً، يحدثنا القرآن الكريم عن صورة جلية من صور هذه الجريمة، وذلك في قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)[القصص:4].

لقد كان هذا مشروع إبادة جماعية متكامل الأركان؛ فإصدار الأمر بقتل كل مولود ذكر، وإبقاء الإناث فقط، كان سيؤدّي حتماً إلى القضاء على بني إسرائيل في بضعة عقود. ولكن فرعون استعمل ذات الأسلوب الشيطاني في تسويق وتسويغ جريمته كما يحكي القرآن: (فَلَمَّا جَاءَهُم) أي موسى (بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر: 25-26]. لاحظ هذا التبرير الوقح: يرتكب أفظع جرائم القتل والإبادة، ويطالب بقتل نبي الله موسى (ع)، ثم يبرر ذلك بحجة القضاء على الفساد في الأرض وحماية الدين!

ومن المفارقات التاريخية، أنه جاء دور بني إسرائيل بعد ذلك في بضعة عقود، لنجد نصاً في كتبهم المحرفة يتحدّث عن ارتكابهم جريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق سكّان مدينة أريحا الفلسطينية، ففي سفر يشوع: (وَحَرَّمُوا) أي قتلوا (كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ…. وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا).

بالطبع نحن كمسلمين نبرّئ نبياً من أنبياء الله -وهو يوشع بن نون- من ارتكاب هكذا جريمة وحشية دموية، ولكن لا ندري: هل وقع ذلك مخالفةً وتمرداً على أوامره العسكرية، أم أنَّ النصَّ مختلَق ومضاف في زمن لاحق من أجل تبرير وشرعنة ارتكاب هكذا جرائم إبادة في المستقبل، وبما يعكس الروحَ الوحشيةَ والنفسية الدموية التي اتّصفوا بها؟

التطهير العرقي المعاصر والجرائم الصهيونية في غزة

في هذا العصر، ارتُكبت هذه الجريمة البشعة بحق العديد من شعوب العالم، ومن أواخرها ما تعرّض له المسلمون البوسنيون في تسعينات القرن الماضي، والمسلمون الروهينجا في ميانمار قبل بضع سنوات، والشعب الفلسطيني على يد العصابات الصهيونية طوال العقود الماضية.

ففي نواحي فلسطين المحتلة، ارتكب الصهاينة صوراً متعددة من الجرائم الوحشية تحت إطار ما يطلق عليه عنوان التطهير العرقي لتخلو لهم الأرض، ويؤسسوا عليها دولتهم القائمة على الفصل العنصري (الأبارتهايد)، والتمهيد بعد ذلك لإعلان (يهودية الدولة) لتُلغى بذلك أبسط حقوق الفلسطينيين الذين اضطروا لحمل الجنسية الإسرائيلية من حقوقهم في دولة الكيان الغاصب.

وبحسب القانون الدولي، لا توجد معاهدة دولية تُحدِّد جريمةً وعقوبةً معيّنة لما يُسمّى بالتطهير العرقي بشكل مستقل، ولكن الممارسات والأفعال التي تندرج تحت هذا المسمى، كالإبادة الجماعية، تُعرّف بوضوح كجريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب بموجب قوانين محكمة الجنايات الدولية.

وبالأمس فقط، قالت منظمة العفو الدولية (أمنستي) أنها وجدت أدلة وافية تثبت أن إسرائيل قد ارتكبت، ولا تزال ترتكب، جريمةَ الإبادةِ الجماعيةِ ضد الفلسطينيين في قطاعِ غزة، وبفتحِ إسرائيلَ أبوابَ الجحيمِ والدمارِ بصورةٍ سافرةٍ ومستمرة. وأضافت: (يجب أن تكون نتائجنا الدامغة بمثابةِ صيحةِ تنبيهٍ للمجتمعِ الدولي: هذه إبادةٌ جماعية، ولا بد أن تتوقف الآن). نقول: صحّ النوم، ولكن على العموم أن يأتي هذا الإقرار متأخراً خير من أن لا يأتي أبداً.

وقبل أيام قلائل من هذا التقرير، صدر تصريح مدوٍّ على لسان وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق، موشيه يعالون، في الإعلام الإسرائيلي، يعترف فيه بكل صراحة وصفاقة بارتكاب الكيان جرائمَ حربٍ واحتلالٍ عسكري وتطهيرٍ عرقي، حيث قال: (انظر إلى شمال غزة. لا يوجد بيت لاهيا. لا يوجد بيت حانون. إنهم يعملون حالياً في جباليا، وبشكل أساسي يقومون بتطهير منطقة العرب).

لقد أثار هذا الاعتراف الصريح زوبعة كبيرة في الوسط الإسرائيلي الذي لم يخرج بعدُ من صدمة قرار محكمة الجنايات الدولية بإصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير حربه السابق، وكأن هذا المجتمع الداعم للإبادة لا يعلم بحجمِ الجرائم المهولة التي ما زالت تُرتكب منذ سنة وشهرين! جرائم مروعة تتمثل في صورِ الإبادةِ الجماعيةِ، والتهجيرِ القسريّ، والتجويعِ، والحصارِ، وتدميرِ المستشفيات ومراكزَ الإيواءِ، والاعتداءِ الممنهج على الطواقمِ الطبيةِ والدفاعِ المدنيّ والإعلامِ ومؤسساتِ الإعانةِ الدولية، وهدمِ مناطقَ سكنيةٍ بأكملِها على رؤوسِ ساكنيها، والتجريفِ الشامل وهدمِ البنى التحتيةِ.. جرائم لا يجهلها أحدٌ في العالم إلا مَن أعمى الله بصيرتَه، أو نزعَ الرحمةَ من قلبه.

إنّ صدمةَ المجتمعِ الإسرائيليِّ من هذه التصريحات والقرارات ناشئةٌ في حقيقتها من أنه قد (شهِدَ شاهدٌ من أهلها)، وأن فضيحتُهم الدموية أصبحت عالمية وموثقة، بعد أن تظاهروا طوال عقود كذباً وزوراً أنهم الضحية، وأن أصحابَ الأرض من أهل فلسطين هم الجلادون.

الشيخ علي حسن

View all posts