تُقدّم سورة ق تصويراً قرآنياً بديعاً لمشهدٍ من مشاهد يوم القيامة، حيث يُساق الإنسان إلى ساحة القضاء الإلهي في إطار يضمن العدالة المطلقة، والإحاطة التامة والشاملة بكافة أفعاله وخلجاته، مع تحري منتهى الدقة والإنصاف، وذلك استناداً إلى جملة من الحقائق التأسيسية التي يرسخها النص القرآني.
الإحاطة الإلهية الشاملة
تتصف الإحاطة الإلهية بأربعة أبعاد يقينية تجعل علم الخالق بالعبد نافذاً ومستمراً؛ فهي إحاطة مباشرة، وملاصقة، وتامة، وشاملة للظاهر والباطن على حد سواء، كما يقرر الحق جل وعلا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]. فالعلم الإلهي لا يتوقف عند حدود الأفعال الجارحة والأقوال الصريحة، بل ينفذ إلى خفايا الصدور وما تختلج به النفس من وساوس وخطرات.
منظومة الشهود والتوثيق الدقيق
يتكامل هذا المشهد بتوافر شهادة لا تقبل الجدل: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 17-18]. وتتصف هذه الشهادة بأربعة أركان وثيقة تضمن نزاهتها التامة:
الركن الأول يتمثل في طبيعة الشهود؛ فهم من الملائكة المقربين المبرئين من الأهواء، مما يضمن النزاهة المطلقة والحياد التام في تدوين الوقائع.
والركن الثاني يتجلى في التعدد والتوثيق المزدوج بين اليمين والشمال، بما يضمن الدقة الاستيعابية لكل حركة وسكنة.
والركن الثالث يكمن في الملازمة اللصيقة وعدم مفارقة العبد في أي آن، بدلالة كلمة “قَعِيدٌ” التي تفيد الملازمة وعدم فوات أدنى تصرف.
أما الركن الرابع فهو الاستمرار والجهوزية والجدية الكاملة في الرصد دون غفلة أو فتور، كما تعبر عنه لفظة “عَتِيدٌ” الدالة على الحضور الدائم والتهيؤ للشهادة.
تمثيل القضاء الأخروي وسنن السببية
يُقرب المشهد الأخروي إلى مدارك البشر عبر تمثيل يناظر مسارات المحاكمات الدنيوية في انضباطها وإجرائها؛ فهناك الموكل بجلب المتهم وإحضاره، وهناك الشهود العدول، وهناك الحاكم العدل الذي يقضي بالحق ويصدر الجزاء الصارم، مصداقاً لقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق: 20-21].
وينبثق التساؤل هاهنا: لماذا تُقام هذه الإجراءات والمحكمة مع أن الله تعالى محيط بكل شيء وهو العدل المطلق؟
تكمن الإجابة في مبدأين؛ أولهما ما رسخه القرآن الكريم من أن الله تعالى يُجري الأمور بسننها وأسبابها، كما هو الشأن في تدبير الكون وإدارته. وثانيهما إظهار العدالة الإلهية في أبهى صور النزاهة التامة، بحيث تُقطع كل شبهة ويُسد باب أي تشكيك في الأحكام الصادرة؛ فلا يملك إنسان أن يُنكر جرماً، أو يُخفي سراً، أو يجد سبيلاً للإفلات من مسؤوليته بعد معاينة تلك البينات الناصعة.
كشف الغطاء ومقاصد التحذير الإلهي
تأتي الآيات الكريمة لتنبه على حقيقة منهجية غاية في الأهمية، وهي أن الإخبار القرآني عن هذا المشهد الغيبي والمصير المستقبلي لا يهدف إلى مجرد تقديم معلومة ذهنية باردة، بل هو بلاغ ونذير يوقظ القلوب من سباتها ويدفع الناس إلى التقوى والاستقامة: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22].
إن هذه الآيات الشريفة من سورة ق تحمل في طياتها نداءً تحذيرياً صارماً: إياكم والغفلة عن هذه الحقائق الراسخة؛ فإن ملهيات الدنيا كثيرة وزخارفها زائلة، وإن النفس لأمارة بالسوء، وإن من أخبث مكائد الشيطان أن يُنسي الإنسان مصيره المحتوم وقرب رحيله ووقوفه بين يدي ربه. فالحذر الحذر من التمادي في الغفلة التي تدفع الإنسان إلى الندم في لحظة انكشاف الحقيقة، يوم يعاين العذاب ويتمنى الرجوع لإصلاح ما فرط فيه وأفسده، ولات ساعة مندم، وأنّى له الرجوع.
