مع اقتراب شهر رمضان المبارك وحلول عيد الفطر السعيد، يتجدد الجدل السنوي العقيم حول ضرورة توحيد بداية الشهر القمري بين المسلمين عموماً، بل داخل البلد الواحد، وحتى بين أتباع المذهب الفقهي الواحد؛ وترتفع الأصوات متسائلة بمرارة عن أسباب استمرار هذا الانقسام وإلى متى سيظل قائماً.

الجذور التاريخية وتعدد الآفاق في الصدر الأول

لابد من إدراك حقيقة تاريخية أساسية مفادها أن وقوع الاختلاف بين المسلمين في تحديد بدايات الشهور القمرية ليس ظاهرة معاصرة ولا بدعة طارئة، بل هو واقع طبيعي عاشه المسلمون منذ الصدر الأول للرسالة وتوسع رقعة الدولة الإسلامية.

ففي صحيح مسلم، يروي كُريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فاستهلّ عليّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس وذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فرفض الصوم والإفطار بناءً على رؤية أهل الشام.

وتتطابق مصادرنا الحديثية مع هذا المعنى التعددي؛ ففي المعتبرة الصحيحة عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن هلال رمضان يُغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: “ولا تصمه إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه”.

لقد كان الأمر في غاية الطبيعية والبساطة؛ يُرى الهلال في إقليم فيبدأ الشهر عندهم، ولا يُرى في إقليم آخر فيُعدّ اليوم متمماً للشهر السابق لديهم، وبحسب رواية إسحاق يتداركون بالقضاء إن ثبتت الرؤية المعتبرة لاحقاً، بينما يلتزم ابن عباس بأفق مدينته دون تدارك. ولم تكن المسألة تثير أدنى حساسية أو تشنج بشأن وحدة المسلمين السياسية، ولم تُبذل لأجلها جهود استثنائية أو تسيير للحمام الزاجل والبريد المستعجل لربط الأمصار برؤية موحدة.

دواعي التأزيم المعاصر وتشابك الأدوار

أحدث التطور الهائل في وسائل الاتصال الفوري والرصد الفلكي المتقدم في العصر الحاضر نقلة جعلت من الاختلاف الطبيعي مادة للشحن النفسي والتوتر الاجتماعي، مع توجيه اللائمة الظالمة بصورة حصرية إلى علماء الشريعة في المذاهب الإسلامية، وهو إجحاف صريح يتجاهل عوامل متداخلة أسهمت في تعقيد المشهد:

  • التوظيف السياسي المصلحي الذي يدخل أحياناً في تثبيت أو تعطيل بداية الشهر لإثبات التمايز أو التبعية.
  • التدخل الفردي والمجتمعي العشوائي؛ بتقديم شهادات حسية متوهمة أو غير دقيقة تناقض الحقائق الفلكية القطعية.
  • اختلاط الاختصاصات وتداخل الوظائف؛ حين يتقمص الفلكي دور الفقيه فيستنبط أحكاماً شرعية دون أدوات الاجتهاد، أو يتصدر الفقيه لنفي الحسابات الرياضية الدقيقة بغير علم فلكي رصين.
  • خوض غير المختصين بجهل وانفعال، مما يخلط العاطفة الشعبية بالمعايير العلمية الصارمة ويؤجج الخلاف دون طائل.

المعطيات الفلكية واختلاف إمكانية الرؤية

تقتضي القراءة الموضوعية التوقف أولاً عند الحقائق العلمية الكونية؛ فالأرض في الليلة الواحدة ليست بقعة واحدة تتساوى فيها فرص الاستهلال؛ وتكفي نظرة تحليلية لخرائط الرصد الفلكي الخاصة باستطلاع هلال عيد الفطر لمساء الخميس التاسع عشر من مارس لعام 2026م لتوضيح ذلك جلياً:

ففي تلك الليلة، تنعدم إمكانية رؤية الهلال قطعياً في أستراليا، وجزء من الصين، وإندونيسيا، والفلبين، وتايلاند، وجزء من الهند، حتى بأقوى المراصد والتلسكوبات. بينما تتاح إمكانية ضعيفة لرؤيته في منطقتنا الجغرافية بواسطة التلسكوبات المتخصصة وبصعوبة بالغة، ثم تتسع دائرة الإمكانية تدريجياً باتجاه الغرب حتى تغدو الرؤية بالعين المجردة ميسورة في قارة أمريكا الشمالية. ومن هنا، فإن تباين البدايات بين هذه الأقاليم الشاسعة هو النتيجة الطبيعية لحركة الأفلاك واختلاف المواقع.

حدود الاختصاص والتكامل المنهجي

يفرض التحقيق العلمي التفكيك الدقيق بين وظيفة الفقيه ووظيفة الراصد الفلكي لإحداث التكامل بدل التنازع:

يقتصر دور الفقيه على استنباط المعايير والأصول الشرعية الناظمة لتحديد الشهر؛ كبيان مدى حجية الرؤية في البلدان المشتركة بالأفق أو المتمايزة عنه، واشتراط الرؤية البصرية المجردة أو كفاية الآلات المقربة والتلسكوبات الحديثة، وتحديد شروط الشهادة العادلة ونصابها، ومدى حجية الحسابات الفلكية في إثبات الموضوع الشرعي.

وفي المقابل، ينحصر دور الخبير الفلكي في تقديم الحسابات الفيزيائية القطعية؛ كبيان لحظة الاقتران وولادة الهلال، ورسم إحداثياته الدقيقة من حيث الارتفاع والمكث وقوس الرؤية، والقطع بإمكانية الرؤية أو استحالتها علمياً في كل بقعة. ويأتي دور أهل الدراية بدمج المعيار الفقهي الأصولي مع المعطى الفلكي الرياضي لإنتاج الحكم الموضوعي السليم.

خارطة الاتجاهات الفقهية ومسالك الاجتهاد

يعود منشأ الاختلاف الواقع بين الفقهاء -سواء بين المذاهب الإسلامية أو في دائرة المذهب الواحد- إلى تباين المباني والمسالك الاجتهادية في فهم النصوص وتطبيقها، وتتلخص أهم تلك المباني في الآتي:

  • الاكتفاء بالشهر القمري الطبيعي والاقتران؛ فبمجرد ولادة الهلال فلكياً وخروجه من المحاق، يُحكم ببدء الشهر لجميع بقاع الأرض التي لم يدخل عليها النهار بعد، بصرف النظر عن إمكانية الرؤية العينية في تلك البقعة، وهو حساب مسبق يمكن ضبطه لمئات السنين القادمة.
  • اعتماد الحسابات الفلكية والفيزيائية القطعية التي تفيد إمكانية الرؤية العينية في الأفق، واعتبارها حجة شرعية تامة لإثبات بداية الشهر وإن تعذرت الرؤية الفعلية لغيم أو تلوث بيئي.
  • التمسك بالرؤية البصرية المباشرة عبر الشهود؛ مع خلاف فرعي بين من يكتفي بعدلين، ومن يشترط التواتر أو الاستفاضة وتعدد الشهادات في حال صحو السماء وكثرة المستهلين.
  • اشتراط الرؤية بالعين المجردة حصراً؛ في قبال اتجاه آخر يجيز الرؤية بالوسائل البصرية المقربة كالمناظير (الدوربيل)، ومبنى ثالث يوسع الدائرة لقبول الرصد بالتلسكوبات والمراصد الفلكية الفائقة.
  • التباين في شروط اتحاد الآفاق؛ فبينما يرى مسلك فقهي كفاية ثبوت الرؤية في أي نقطة من الأرض لتعميم الحكم على سائر المعمورة، يشترط مسلك آخر اشتراك البلدان في جزء من الليل، في حين يضيق فريق ثالث الدائرة باشتراط تقارب الآفاق الجغرافية والمطالع.
  • اشتراط عدم معارضة الشهادات الحسية للمعطيات العلمية القاطعة؛ برد أي دعوى للرؤية تصادم الاستحالة الفلكية، في قبال من يقدم ظاهر الشهادة ما دامت صادرة عن ثقات دون الالتفات لموانع الحساب.

إن الإحاطة بهذه التعقيدات الفلكية والمباني الفقهية تستوجب التعاطي مع ملف بدايات الشهور بمنهجية علمية متزنة ورصينة، بعيداً عن الانفعالات الشعبوية والاتهامات المتبادلة.

والمسألة في خاتمة المطاف ترتبط بالتكليف الشرعي الفردي التابع لاتباع الموازين الفقهية المعتبرة؛ مما يقتضي أن يعذر المسلمون بعضهم بعضاً فيما تباينت فيه مشاربهم واجتهاداتهم، سواء داخل المجتمع الواحد أو الأسرة الواحدة، صيانةً لروح الأخوة والمودة، وابتغاءً لمرضاة الله تعالى القائم على القسط والتقوى.

الشيخ علي حسن

View all posts