ورد عن الإمام الجواد (ع)، كما رُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) -ونورهم واحد في الحكمة والهدى-: “وَلاَ أَفْسَدَ لِلرِّجَالِ مِنَ الطَّمَعِ”. إن الطمع آفة مركبة لا تنحصر في جني الأموال وتكديس الثروات، بل تمتد لتشمل مجالات شتى تدمر اتزان الإنسان القيمي والأخلاقي متى ما استحوذت عليه.

حمّى المنصات وابتذال القيم

يتجلى هذا الطمع في عصرنا الراهن بأوضح صوره بين بعض المنشغلين بمنصات التواصل الاجتماعي؛ إذ يدفعهم الطمع في زيادة نسب التفاعل ورفع أعداد المتابعين إلى الاستعداد لارتكاب أي تصرف مسفّ والتخلي عن أقدس الثوابت دون حرج.

فترى شاباً قد لا يحسن التمييز بين أبسط قواعد اللغة كحرفي الضاد والظاء، يسطو على شبهة مهترئة يروج لها أحد المهووسين بالعداء للإسلام، ثم يفرغها بأسلوب درامي مصحوب بمؤثرات صوتية وإخراج لافت، ليقدم هذه المغالطة وكأنها كشف معرفي أو حقيقة أضاعها المسلمون لقرون، موقعاً المئات في شباك التضليل، والدافع الأوحد خلف كل ذلك هو الطمع الرخيص في المشاهدات ونيل الإعجاب. وتطالع في سياق مماثل امرأة تتكلف التبرج والجرأة المبتذلة، وتخوض بلسان خادش للحياء في تفاصيل مقززة تتنافى مع العفة، مستهدفة جذب الأنظار والارتقاء في سلّم الشهرة المؤقتة. إن هذا الانحدار ليس إلا شاهداً حياً على عمق الفساد النفسي الذي يحدثه الطمع في النفس البشرية، وهو المعنى الشامل لقول الإمام (ع) الذي لا يقتصر على جنس الرجال دون النساء.

النفس الشرهة ودعاء الاستعاذة

حذّرت التوجيهات النبوية والولوية من شره النفس الذي لا يقف عند حد؛ إذ كان النبي الأكرم (ص) يكرر الاستعاذة من النفس النهمة التي لا تعرف الشبع، كما في الدعاء المأثور عقب صلاة العصر: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ”. فالطمع يحيل صاحبه إلى أسير لرغبة لا متناهية، تسلبه الاتزان والسكينة وتورده المهالك.

ويتجسد العلاج النفسي والتربوي لهذا الداء فيما علّمنا إياه أمير المؤمنين (ع) في دعاء الصباح: “وَأَدِّبِ اللَّهُمَّ نَزَقَ الخُرْقِ مِنّي بِأَزِمَّةِ القُنُوعِ”. إنه تصوير بديع يُشبّه النفس الإنسانية حين تفقد حكمتها بدابة جموح نزقة، تبادر إلى التوثب والتخبط في كل اتجاه. وتلك هي بالضبط سيكولوجية الإنسان الطماع؛ فهو يتخبط في سلوكياته، مستعداً لاقتراف المحرمات والقبائح، وتحمل صنوف الذل والمهانة في سبيل الوصول إلى غايته.

القناعة عز والحرص مذلة

يأتي الدعاء هنا بمثابة الملاذ لطلب الانضباط والسيطرة على جموح الذات؛ بأن يلجم الله نزوات النفس بأعنة القناعة وأزمتها المحكمة، كما يُلجم الفرس لئلا يطيح براكبه في المهاوي. ونِعْمَ الزّمام هو القنوع؛ فالقناعة كنز روحي وحصن منيع يحمي الإنسان من ابتذال نفسه في أسواق الشهرة الرخيصة، ويصون كرامته وعقله ودينه. ومصداق ذلك الميزان الحكيم الثابت في المأثور: “عَزَّ مَن قَنَع، ذَلَّ مَن طَمَع”.

الشيخ علي حسن

View all posts