ينقل المحدثون عن عقبة بن أبي العيزاز نص خطبة تاريخية بالغة الدلالة ألقاها الإمام الحسين (ع) في موضع «ذي حُسَم»، واضعاً فيها الأصبع على مكمن الداء الذي أصاب جسد الأمة، ومحدداً منطلقات ثورته الرافضة؛ إذ خاطب الجمع قائلاً:

«إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ تَرَوْنَ، وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَتَنَكَّرَتْ، وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا، وَاسْتَمَرَّتْ جَذَّاءَ».

بهذه العبارات الدقيقة، فكك الإمام ملامح الانقلاب الحضاري والارتداد القيمي الذي دهم أمة النبي محمد (ص)؛ تلك الأمة التي انتشلها الوحي من ظلمات الجاهلية إلى نور التوحيد، ورسخ في وجدانها معايير العدل، والحق، وإعلاء المعروف. غير أن النهج الأموي سرعان ما عمل على تبديل هذا المسار، وإعادة إحياء العصبية الجاهلية وقيمها في مفاصل الحياة والحكم.

سقوط المعنى: ما قيمة الحياة بلا كرامة؟

يواصل الإمام تصوير التردي الوجودي والأخلاقي الذي آلت إليه أحوال المجتمع:

«فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، وَخَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ».

يضع الحسين (ع) العقل الجمعي أمام تساؤلات وجودية تلامس جوهر المعنى والكرامة:

  • ما القيمة الحقيقية لحياة تساقطت عنها منظومتها الأخلاقية؟
  • ما قيمة العيش حين تُهدر كرامة الإنسان وتُداس حقوقه؟
  • وأي معنى للبقاء في واقع مقلوب ينقلب فيه المعروف منكراً والمنكر معروفاً، ويتحول فيه الحق إلى باطل والباطل إلى حق سائد؟

ثم يطلق صيحته المدوية لتقريع الضمائر الراكدة:

«أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ؟ وَأَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ؟».

لقد خيم الموت على ضمائر البعض، وشُلّت إرادة آخرين بفعل الرعب الممنهج وبطش السلطة الأموية، فاستسلم الجميع لبواطل الفكر، وانحرافات العقيدة، ورداءة السلوك، وزور القول، حتى غدا الحق غريباً منبوذاً بين الناس.

فلسفة الشهادة: كسر الارتهان بالبرم

أمام هذا التردي، يرسم الإمام الخيار الاستراتيجي للإنسان الحر؛ فلا مجال للمهادنة حين يضيع الحق:

«لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اللَّهِ مُحِقّاً؛ فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً [شَهَادَةً]، وَلَا الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً».

يتحول الموت هنا من هاجس يُفر منه إلى غاية شريفة تختم حياة المؤمن بحسن العاقبة، وتنقله إلى جوار ربه عزيزاً؛ فالعيش تحت مظلة الظلم ليس سوى ضيق مقيت وبرم مستمر لا يرتضيه أصحاب النفوس الكريمة.

أبعاد الدمعة الحسينية: ألمٌ، وحزنٌ، واشتياق

يوثق الراوي تلك اللحظة الوجدانية المؤثرة في مشهد ذي حُسَم بقوله: «فَتَرَقْرَقَتْ عَيْنَا حُسَيْنٍ (ع) وَلَمْ يَمْلِكْ دَمْعَهُ».

إنها دموع مركبة الدلالات تختصر عمق المأساة والوعي النبوي:

  • دموع الألم والحرقة: على الانتكاسة الكبرى التي أصابت أمة جده المصطفى (ص)، ولمّا يمضِ على رحيل صاحب الرسالة سوى خمسين عاماً!
  • دموع الحزن والشفقة: على هؤلاء القوم الذين عميت بصائرهم، وأصروا على انتهاك حرمات نبيهم، وباعوا نصيبهم من الآخرة بدنيا فانية وبأبخس الأثمان.
  • دموع الشوق المعروج إلى الشهادة: لولوج معراج اللقاء بالأحبة الراحلين: رسول الله، وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، والحسن المجتبى، والالتحاق بقوافل الصديقين والشهداء الذين قضوا صابرين محتسبين؛ وقد طال صبر الحسين ترقباً لبلوغ هذا المقام.

عهد الثبات والدعاء الخالد

يختم الإمام الحسين (ع) وقفته باستحضار الميثاق الإلهي الراسخ، متلواً قوله تعالى: {مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 23]، ليرفع أكف الضراعة بتلك الكلمات الجامعة:

«اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنَا وَلَهُمُ الْجَنَّةَ نُزُلاً، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي مُسْتَقَرٍّ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَرَغَائِبِ مَذْخُورِ ثَوَابِكَ».

تظل خطبة «ذي حُسَم» وثيقة خالدة توضح أن النهضة الحسينية لم تكن نزاعاً سياسياً مجرداً على سلطة زائلة، بل كانت صرخة فكرية وقيمية استهدفت إيقاظ الأمة من غفلتها، وتأصيل مبدأ أن كرامة الإنسانية لا تُقاس بطول البقاء، بل بحجم التمسك بالحق والوفاء للمبادئ.

الشيخ علي حسن

View all posts