فقه الطبائع: أربع ركائز لفهم سيكولوجية الرجل السوي وبناء الاستقرار الأسري
حين يجهل الإنسان آلية عمل آلة معقدة ويصر على تشغيلها، تكون النتيجة الطبيعية إصابتها بعطل جسيم أو تعطلها بالكامل؛ وتلك هي الحال تماماً في منظومة العلاقات الإنسانية. فالجهل بصفات الطرف المقابل وطبيعته الفطرية يقود حتماً إلى إلحاق أضرار بليغة بجسد العلاقة الزوجية. من هنا تبرز ضرورة إدراك المرأة للصفات العامة المشتركة بين غالبية الرجال أولاً، ثم الصفات الخاصة بشخصية زوجها ثانياً، وهو مسار تكاملي ينطبق على الزوج بالقدر ذاته.
الصفات الأساسية الأربع في شخصية الرجل السوي
1. غريزة التنافس وإثبات الذات:
يميل الرجل بفطرته إلى التحدي والمنافسة وتحمل المشاق؛ إذ يجد في منافسة أقرانه ساحة لتحقيق ذاته وتأكيد كفاءته. يدفعه هذا الطبع إلى العمل بقوة وحرص لساعات طويلة يومياً، وتسانده في ذلك بنيته العضلية والجسدية المهيأة لمجابهة الأعباء الخارجية.
2. نزعة الحماية ورعاية الأهل:
يحب الرجل بطبعه أن يتموضع في موقع المحامي والمدافع عن زوجته، وأبنائه، ووالدته، وكل من يدخل في دائرة اهتمامه ورعايته. يجد راحته النفسية في أن تلجأ إليه أسرته لرد المظالم أو استرداد الحقوق، وهو على استعداد تام لخوض الصراعات دفاعاً عن أمنهم وحمايتهم.
3. لذة الإنفاق والمسؤولية المالية:
يشعر الرجل بالسعادة الحقيقية حين يعطي، ويستشعر ارتياحاً عميقاً بكونه سبباً ومسؤولاً عن إعالة غيره. بمجرد دخوله القفص الذهبي، تتحول أجندته المالية جذرياً من التفكير الفردي في نفقاته الخاصة إلى التفكير الجماعي في تلبية حاجات من يعول وتأمين مستقبلهم أثناء حياته وبعد رحيله.
إن العجز عن تحقيق هذا الأمان المالي يجلب له إحراجاً ذاتياً وكسراً لكرامته؛ ولذلك فإن فقدان العمل والعجز عن سد رمق الأسرة يعد من أشد العوامل تدميراً لنفسية الرجل، وقد يزج ببعضهم في مسارات غير قانونية أو يدفعهم نحو اليأس والانتحار.
4. مركزية الأولوية والشعور بالحاجة إليه:
يحرص الرجل على أن يحتل الرقم «1» في فضاء بيته؛ فإذا أحس بتراجع هذه المكانة لدى أسرته أو زوجته، فقد يدفعه ذلك للبحث عمن يمنحه هذا الموقع. يزدهر الرجل حين يشعر بأنه «مُحتاجٌ إليه»، بينما يصيبه الإحباط واليأس إذا لاحت له إشارات استغناء زوجته عنه، وقد يتسلل إليه دافع البحث عن امرأة أخرى تشعره بقيمته وجدواه.
ومن هنا تبرز القيمة النفسية لكلمات التقدير التي تطرق مسامعه، مثل: «تعيش وتجيب»، «كثّر الله خيرك»، «أنت تتعب كثيراً من أجلنا»، و«كيف كان حالنا لولاك». فرغم أن الإنفاق واجب شرعي وقانوني وعرفي بديهي، إلا أن هذه العبارات تصيب شغاف قلبه وتمنحه طاقة استثنائية، شأنها شأن كلمات الفخر التي تؤكد له أن جهده وتفانيه محل إجلال الأسرة حتى وإن لم تتحقق كافة الطموحات المادية.
النموذج النبوي للمرأة السكن
يبرز هذا الفهم النفسي في القصة التي رواها رجل جاء إلى رسول الله (ص) يصف فيها حسن تبعل زوجته:
«إِنَّ لِي زَوْجَةً إِذَا دَخَلْتُ تَلَقَّتْنِي، وَإِذَا خَرَجْتُ شَيَّعَتْنِي، وَإِذَا رَأَتْنِي مَهْمُوماً قَالَتْ: مَا يُهِمُّكَ؟ إِنْ كُنْتَ تَهْتَمُّ لِرِزْقِكَ، فَقَدْ تَكَفَّلَ بِهِ غَيْرُكَ، وَإِنْ كُنْتَ تَهْتَمُّ بِأَمْرِ آخِرَتِكَ فَزَادَكَ اللهُ هَمّاً».
فما كان من النبي (ص) إلا أن رسم لها أعظم أوسمة الفضل قائلاً:
«بَشِّرْهَا بِالْجَنَّةِ وَقُلْ لَهَا: أَنَّ لِلَّهِ عُزَّ وَجَلَّ عُمَّالاً، وَهَذِهِ مِنْ عُمَّالِهِ، لَهَا نِصْفُ أَجْرِ الشَّهِيدِ».
إن وصفها بأنها «من عُمّال الله» يعكس مكانتها العالية وكأنها تؤدي واجباً إلهياً رُسم بدقة؛ فالرزق مضمون بيد الخالق، والهم للآخرة يرفع درجات التقوى التي تصلح شأن الفرد في نفسه وأسرته.
بين الفطرة السوية واعتراضات الجدليين
قد يعترض المستغرقون في الجدال بطرح نماذج لرجال يتهربون من واجباتهم المالية، أو التذرع بمجتمعات بات فيها الرجال عالة على نسائهم. والرد الجلي على ذلك: إن الحديث ينصب على الغالبية العظمى وعلى «الرجل السوي»، ولا يصح أن تبدد القواعد الفطرية الكبرى في زحمة الاستثناءات المشوهة والنزاعات البيزنطية.
كما قد تتوهم بعض الزوجات أن هذه الصفات تعبير عن «أنانية» ذكورية، وهو توصيف غير منصف؛ إذ إن حب التقدير والأولوية لدى الرجل يقابل حب التجمل والزينة لدى المرأة، كما أشار القرآن الكريم: {أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ…} [الزخرف: 18]. فهل يُعد رغبة المرأة في إظهار جمالها وسماع كلمات الحب تعبيراً عن أنانيتها؟ بالطبع لا، بل هو جزء أصيل من هويتها الأنثوية الفطرية.
مظاهر الأنانية الحقيقية لدى الرجل
تتحقق الأنانية المقيتة لدى الرجل حين ينحرف عن فطرته السوية في الحالات الآتية:
- عندما يمتنع عن الإنفاق على أسرته، ويقدم رغباته وكمالياته الشخصية على احتياجاتهم الأساسية.
- عندما يستغرق لياليه في السهر خارج البيت مع أصدقائه، مهملاً حاجة زوجته النفسية الملحة إلى جواره وسكنه في المساء.
- عندما يضع منفعته الذاتية فوق مصالح أسرته ومستقبلهم.
- عندما ينحصر تفكيره في حاجاته الخاصة، متوهماً أنه الطرف الوحيد المستحق للرعاية وتلبية المتطلبات، متناسياً أن لزوجته كياناً أنثوياً وحاجات نفسية ومادية تتطلب إشباعاً مستمراً.
ومن أبلغ الشواهد على الحاجة الأنثوية للرعاية العاطفية، ما رُوي عن الإمام الصادق (ع) عن النبي (ص): «قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً».
معادلة الاستقرار: وعي متبادل وتكامل فطري
إن نجاح الحياة الزوجية يتطلب من الزوجة استيعاب الطبيعة الفطرية المشتركة لشخصية زوجها—من شغف بالتنافس، ورغبة في الحماية، وشرف في الإنفاق، وسعي لتبوّء موقع الأولوية في البيت—فتغذي هذه النزعات بعبارات الدعم والتقدير التي تثبت قوامته ورجولته، مع مراعاة مفاتيح شخصيته الذاتية كفرد مستقل.
إن هذا الوعي الذكي يحد من مساحات الخلاف، وينزع فتيل الأزمات العاصفة في المحيط الأسري، ويؤسس لروابط زوجية راسخة؛ مع بقاء التأكيد الحاسم على أن الزوج ليس بمنأى عن هذه المسؤولية؛ إذ يقع على عاتقه واجب موازٍ في تفهم الخصائص الفطرية العامة للمرأة، وإدراك متطلبات زوجته الخاصة وتلبية حاجاتها النفسية والجسدية على أكمل وجه.

